النساء · الآية 129

﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا

«وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ»: عَدلٌ لا يَنقادُ ولو اشتَدَّ الطَّلَب

تَبدَأُ الآيةُ بِخَبَرٍ عن حَدِّ الطّاقة: «ولَن تَستَطيعوا». و«لَن» تَنفي ما يُستَقبَل، والاستِطاعةُ من ط-و-ع على «استَفعَل»، والطَّوعُ انقيادُ الشَّيءِ لِمَن يُريدُه، فالمُستَطاعُ ما يَنقادُ لِصاحِبِه فيَقدِرُ عَلَيه. والذي أُخبِرَ أنَّه لا يَنقادُ لَهُم «أن تَعدِلوا بَينَ النِّساء»، و«أن» مَعَ الفِعلِ في مَعنى المَصدَر، أي العَدلُ بَينَهُنّ. والعَدلُ من ع-د-ل إمساكُ الطَّرَفَينِ على قَدرٍ واحِدٍ حتّى يَستَوِيا، و«بَينَ النِّساء» تَجعَلُه مُوازَنةً تُقاسُ فيها واحِدةٌ بِأُخرى، فهو عَدلُ مَن عِندَه أكثَرُ من امرَأة.

ثُمَّ جاءَ «ولو حَرَصتُم»، و«لو» هُنا تَفرِضُ أبعَدَ ما يُتَصَوَّرُ من الجُهدِ ثُمَّ تُبقي الخَبَرَ قائماً مَعَه. والحِرصُ من ح-ر-ص شِدّةُ الطَّلَبِ وانحِصارُ الإرادةِ في مَطلوبٍ واحِد، فالآيةُ تُسَلِّمُ لِلمُخاطَبينَ حِرصَهُم وتُخبِرُ أنَّ العَدلَ بَينَ النِّساءِ يَبقى مَعَه فَوقَ طاقَتِهِم. وعلى هذا البِناءِ جاءَ في الكِتابِ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وفي مَوضِعٍ آخَرَ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾، فالحِرصُ في هذه المَواضِعِ طَلَبٌ صادِقٌ تَبقى غايَتُه خارِجَ يَدِ الطّالِب.

وتُقرَأُ هذه الآيةُ مَعَ الآيةِ الثّالِثةِ من السّورة، فالفِعلُ فيهِما واحِد، والنِّساءُ فيهِما النِّساء: هُناكَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وهُنا «ولَن تَستَطيعوا أن تَعدِلوا بَينَ النِّساءِ ولو حَرَصتُم». والآيةُ الثّالِثةُ تَتَكَلَّمُ عِندَ بابِ النِّكاح، وأمرُها «فانكِحوا»، فجَعَلَت خَوفَ فَواتِ العَدلِ كافِياً لِلرَّدِّ إلى واحِدة. وهذه الآيةُ تَتَكَلَّمُ في حالِ مَن عِندَه أكثَرُ من واحِدة، وأمرُها «فلا تَميلوا كُلَّ المَيلِ فتَذَروها»، فتُخبِرُه أنَّ العَدلَ الذي يَطلُبُه الحَريصُ لا يَنقادُ لَه، ثُمَّ تَطلُبُ مِنه ما يَنقادُ لَه: ألّا يَميلَ المَيلَ كُلَّه. فالآيَتانِ تَقولانِ مَعاً: إنَّ الخَوفَ من فَواتِ العَدلِ يَرُدُّ إلى واحِدةٍ عِندَ النِّكاح، وإنَّ العَدلَ بَينَ النِّساءِ لا يَنقادُ ولو حُرِصَ عَلَيه، وإنَّ المَيلَ كُلَّه مَنهيٌّ عَنه. وخُتِمَتِ الآيةُ الثّالِثةُ بِالقُربِ من ألّا يَعولوا، والعَولُ مَيل، وهذه الآيةُ تَنهى عن المَيلِ بِلَفظِه.

«فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ»: نَهيٌ يَقَعُ على تَمامِ المَيل، وصورةُ امرَأةٍ تُترَكُ مُعَلَّقة

ثُمَّ جاءَ النَّهيُ بِالفاء: «فلا تَميلوا كُلَّ المَيل». والمَيلُ من م-ي-ل انسِيابٌ عن الوَسَطِ إلى جِهة، و«كُلَّ المَيلِ» يُبَيِّنُ مِقدارَ الفِعلِ بِمَصدَرِه مُضافاً إلَيه «كُلّ»، فالنَّهيُ واقِعٌ على المَيلِ كُلِّه، على تَمامِه. وبِهذا يَتَقابَلُ في الآيةِ طَرَفان: عَدلٌ بَينَ النِّساءِ أُخبِرَ أنَّه لا يُستَطاع، ومَيلٌ تامٌّ نُهِيَ عَنه، والمُخاطَبُ قائمٌ في ما بَينَهُما. والجِذرُ م-ي-ل في الكِتابِ في هذه السّورةِ وَحدَها، في ثَلاثِ آيات: أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ في الآيةِ السّابِعةِ والعِشرين، وفَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ في الآيةِ الثّانيةِ بَعدَ المِئة، وهُنا «كُلَّ المَيل»، وفي كُلِّ مَرّةٍ يَأتي الفِعلُ مَعَ مَصدَرِه.

ثُمَّ جاءَت عاقِبةُ المَيلِ التّامّ: «فتَذَروها كالمُعَلَّقة»، وفي «فتَذَروها» وَجهان: أن يَكونَ مَنصوباً بَعدَ فاءِ السَّبَبيّةِ في جَوابِ النَّهي، فيَكونَ التَّركُ ثَمَرةَ المَيلِ الذي نُهِيَ عَنه، وأن يَكونَ مَجزوماً مَعطوفاً على «تَميلوا»، فيَكونَ التَّركُ مَنهيّاً عَنه مَعَه. و«تَذَروها» من و-ذ-ر، أن تُرفَعَ اليَدُ عن الشَّيءِ ويُترَكَ في مَوضِعِه، والكِتابُ يَستَعمِلُ الفِعلَ في تَركِ الأزواجِ عِندَ المَوت: وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾. والضَّميرُ مُفرَد: بَعدَ «بَينَ النِّساءِ» جَمعاً صارَ الكَلامُ في واحِدةٍ مِنهُنّ، هي التي مِيلَ عَنها، فالعَدلُ يُقاسُ بَينَهُنَّ جَميعاً، والتَّركُ يَقَعُ على واحِدة.

و«المُعَلَّقة» اسمُ مَفعولٍ من «عَلَّقَ»، من ع-ل-ق، والتَّعليقُ أن يُناطَ الشَّيءُ بِما هو أعلى مِنه فيَتَدَلّى، لا يَستَقِرُّ على أرضٍ تَحمِلُه، ولا يَنفَكُّ عَمّا عُلِّقَ بِه. والكافُ تَجعَلُها صورةً يُشَبَّهُ بِها التَّرك: امرَأةٌ مَشدودةٌ إلى ما عُلِّقَت بِه، لا هي قائمةٌ على أرضِها، ولا هي مَرفوعةٌ إلَيه. والاسمُ في الكِتابِ في هذا المَوضِعِ وَحدَه، ويَرِدُ الجِذرُ في غَيرِه «عَلَقاً» و«عَلَقةً» في أطوارِ الخَلق. والآيةُ التّاليةُ تَذكُرُ الحالَ التي تُقابِلُ هذا التَّعليق: فُرقةً يُغني اللهُ فيها كُلّاً من سَعَتِه.

«وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا»: إصلاحٌ ووِقاية، وخِتامٌ بِالسَّترِ والرَّحمة

ثُمَّ يَأتي شَرطٌ على مِثالِ ما خُتِمَت بِه الآيةُ السّابِقة: هُناكَ «وإن تُحسِنوا وتَتَّقوا فإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيراً»، وهُنا «وإن تُصلِحوا وتَتَّقوا فإنَّ اللهَ كانَ غَفوراً رَحيماً». والإصلاحُ من ص-ل-ح، الجِذرِ الذي سَمّى في الآيةِ السّابِقةِ الصُّلحَ بَينَ الزَّوجَين، وقد صارَ هُنا فِعلاً لِلمُخاطَبينَ جَميعاً، والتَّقوى مَعَه في المَوضِعَين. والخِتامُ هُنا بِاسمَين: الغَفورُ من غ-ف-ر، والغَفرُ سَترُ الشَّيءِ وتَغطيَتُه، والرَّحيمُ من ر-ح-م، الجِذرِ الذي سَمّى في أوَّلِ السّورةِ الأرحام. وقد جاءَ هذا الخِتامُ في آيةٍ أخبَرَت في أوَّلِها بِما لا يُستَطاع، فاقتَرَنَ فيها حَدُّ الطّاقةِ في الصَّدرِ بِالسَّترِ والرَّحمةِ في الخِتام.


حَصيلة

تُخبِرُ الآيةُ بِحَدٍّ لِلطّاقة: العَدلُ بَينَ النِّساء، والعَدلُ من ع-د-ل إمساكُ الأطرافِ على قَدرٍ واحِد، لا يَنقادُ لِلمُخاطَبين، والاستِطاعةُ من ط-و-ع انقياد، ولو اشتَدَّ حِرصُهُم، والحِرصُ من ح-ر-ص طَلَبٌ يَنحَصِرُ في مَطلوبِه. وتُقرَأُ مَعَ الآيةِ الثّالِثة: تِلكَ تَرُدُّ إلى واحِدةٍ عِندَ خَوفِ فَواتِ العَدل، وهذه تُخبِرُ أنَّ العَدلَ لا يَنقادُ ثُمَّ تَنهى عن تَمامِ المَيل، من م-ي-ل، الجِذرِ الذي يَقتَصِرُ في الكِتابِ على هذه السّورة. وعاقِبةُ المَيلِ التّامِّ تَركٌ من و-ذ-ر لِواحِدةٍ بِعَينِها كالمُعَلَّقة، من ع-ل-ق، مَنوطةً بِما عُلِّقَت بِه، لا تَستَقِرُّ ولا تَنفَكّ. ثُمَّ يُفتَحُ الشَّرطُ لِلإصلاحِ والتَّقوى، ويُختَمُ بِالغَفورِ الرَّحيمِ في آيةٍ بَدَأَت بِما لا يُستَطاع.