البقرة · الآية 235

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

١. التَّعريضُ والتَّصريحُ: لُغةُ المَنطِقةِ الحَذِرة

و«عَرَّضَ» من الجِذرِ (ع ر ض)، ومَعناه إبداءُ الشَّيءِ في جانِبٍ دونَ مُواجَهة، ومِنه «العَرضُ»، وهو العُمقُ الجانِبِيُّ لِلجِسمِ مُقابِلَ الطّول. فالتَّعريضُ خِطابٌ يَأتي من الجانِب، يُلَوِّحُ بِالمَقصِدِ ولا يَضَعُه في المُنتَصَف، ويُقابِلُه في اللُّغةِ «التَّصريحُ» الَّذي يَكشِفُ المَقصِدَ صَراحةً. وقد أباحَ النَّصُّ هُنا الأوَّلَ ولم يَذكُرِ الثّاني، وهذا الصَّمتُ تَشريع: ما أُجيزَ صَريحاً فعَلامَتُه الإذن، وما سُكِتَ عَنه في مَقامِ الإذنِ يُترَكُ لِلأصلِ المَنعِيِّ بِحَسَبِ سِياقِه. والأرمَلةُ في مُدّةِ حِدادِها مَنطِقةٌ حَذِرة، لَيسَت سوقاً مَفتوحاً ولا باباً مَوصَداً، ولا تَحتَمِلُ إلّا كَلاماً مُنحَرِفاً قَليلاً عن الأُفُق، مَفهوماً لِمَن يَفهَم، ومُحتَمِلاً لِلانسِحابِ بِلا جَرح.

٢. الخِطبةُ لَيسَت عَقدًا: (خ ط ب) مَقامُ الحَديث

والمُؤَكَّدُ أنَّ مادّةَ (خ ط ب) تَجمَعُ الخِطابَ والخِطبةَ والخَطبَ، وكُلُّها من مَقامِ القَول: فالخَطيبُ مَن يُخاطِب، والخَطبُ الأمرُ الكَبيرُ الَّذي يُخاطَبُ فيه، والخِطبةُ طَلَبُ الزَّواجِ بِالكَلام. فالخِطبةُ في أصلِ اشتِقاقِها فِعلُ قَولٍ، لا فِعلُ عَقد، ولِذلك يَفصِلُ المَنهَجُ القُرآنِيُّ بَينَ مَرحَلَتَين: مَرحَلةِ الخِطابِ، وفيها يُسمَحُ بِالتَّعريض، ومَرحَلةِ العَقدِ، وهي مَمنوعةٌ حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه. والخَلطُ الثَّقافِيُّ الَّذي اعتادَه النّاسُ بَينَ الخِطبةِ والعَقد، حَيثُ تَصيرُ الخِطبةُ مُلزِمةً اجتِماعِيّاً كالعَقد، لا يَنطَبِقُ على الأرمَلةِ في عِدَّتِها، لِأنَّ كُلَّ إلزامٍ مُبَكِّرٍ يَسرِقُ قَرارَها.

٣. «أكنَنتُم في أنفُسِكُم»: (ك ن ن) والقَصدُ المَخبوء

وأصلُ (ك ن ن) في العَرَبِيّةِ السَّترُ والغِطاء، ومِنه «الكِنانُ» لِلغِلافِ الَّذي يَحفَظُ الشَّيء، و«الكِنُّ» لِلبَيتِ الَّذي يَحجُبُ صاحِبَه، فإكنانُ القَصدِ في النَّفسِ احتِفاظٌ بِه داخِلَ غِلافٍ ذاتِيٍّ لا يَبرُزُ إلى الخارِج. وفي هذا النَّصِّ اعتِرافٌ إلَهِيٌّ بِطَبيعةِ الإنسان: القَصدُ يولَدُ قَبلَ التَّعبيرِ عَنه، والرَّجُلُ الَّذي يَنوي أن يَتَقَدَّمَ لِأرمَلةٍ بَعدَ عِدَّتِها قد يَبدَأُ هذا القَصدَ وهي لا تَزالُ تَحتَسِب. والنَّصُّ يُجَرِّمُ الإفراجَ عن القَصدِ المُكِنِّ في صورةِ وَعدٍ سِرِّيّ، ولا يُجَرِّمُ القَصدَ نَفسَه، والإكنانُ عَفوٌ نَفسِيّ، والتَّصريحُ السِّرِّيُّ عُدوان.

٤. «سَتَذكُرونَهُنَّ»: (ذ ك ر) وواقِعُ النَّفس

وقد تَبَيَّنَ أنَّ عِبارةَ «عَلِمَ اللهُ أنَّكُم سَتَذكُرونَهُنَّ» اعتِرافٌ إلَهِيٌّ مُقَدَّمٌ بِأنَّ الذِّكرَ القَلبِيَّ لا يَنقَطِع. ومادّةُ (ذ ك ر) تَجمَعُ الاستِحضارَ الذِّهنِيَّ والقَولَ اللِّسانِيّ، ومَقامُها هُنا الأوَّل. والسّينُ في «سَتَذكُرونَهُنَّ» حَرفُ استِقبالٍ قَريب، أي إنَّ الذِّكرَ سيَقَعُ قَطعاً. ثُمَّ جاءَ الاستِدراكُ «ولكِن لا تُواعِدوهُنَّ سِرّاً»: الذِّكرُ مَفهوم، غَيرَ أنَّه لا يُسَوِّغُ تَحويلَه إلى خِطابٍ سِرِّيٍّ يُقَيِّدُ الأرمَلة. وهذا هو الفَرقُ بَينَ الهاجِسِ والمُواعَدة: الهاجِسُ شَأنٌ داخِلِيٌّ مَعفُوٌّ عَنه، والمُواعَدةُ عَقدٌ ظِلِّيٌّ مَمنوع.

٥. «لا تُواعِدوهُنَّ سِرًّا»: (و ع د) و(س ر ر) والعَقدُ الظِّلّيّ

و«المُواعَدةُ» على وَزنِ المُفاعَلة، تَقتَضي طَرَفَين: الواعِدَ والمَوعود، فالمَمنوعُ بِمَنعِها صِياغةُ اتِّفاقٍ مَوعودٍ بَينَ طَرَفَينِ وإن لم يُوَثَّق، وليسَ حَديثاً عابِراً. وأمّا «السِّرُّ» من الجِذرِ (س ر ر) فهو ما يُكتَمُ داخِلَ صَدرَين، يَنسَرِبُ بَينَ طَرَفَينِ بَعيداً عن نورِ العَلَن. والجِذرُ يَحتَمِلُ الوَعدَ الخَفِيَّ المَكتومَ كَما يَحتَمِلُ كُلَّ ما يُخفى من المَقصِد، ويَلتَقي ذلك في نُقطة: السِّرُّ هُنا كُلُّ ما يَقَعُ خارِجَ النّورِ الاجتِماعِيّ. فالمُجتَمَعُ الَّذي يُراقِبُ الأرمَلةَ في عِدَّتِها يَحميها من العَقدِ الظِّلِّيّ، والنَّصُّ يُرَسِّخُ هذه الحِماية.

٦. «إلّا أن تَقولوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا»: (ق و ل) و(ع ر ف) والاستِثناء الأخلاقيّ

والاستِثناءُ بِـ«إلّا أن تَقولوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا» استِثناءٌ لِلخُروجِ من دائِرةِ السِّرِّ إلى دائِرةِ القَولِ المَعروف، وليسَ استِثناءً لِنَوعٍ من المُواعَدة. وبِالجِذرِ (ع ر ف) يَكونُ «المَعروفُ» ما يَعرِفُه النّاسُ عَدلاً، أي ما يَصلُحُ أن يُقالَ عَلَناً. فالاستِثناءُ فَرضٌ لِمِعيارِ الشَّفافِيّة: مَن أرادَ أن يُخاطِبَ الأرمَلةَ في عِدَّتِها بِشَيءٍ فلْيَكُنْ كَلاماً لا يَخجَلُ أن يَسمَعَه أهلُها وجيرانُها. وهذا المِعيارُ يَنقُلُ الخِطابَ من المَنطِقةِ الفَردِيّةِ إلى المَنطِقةِ الجَماعِيّة، لِأنَّ العِدّةَ نَفسَها شَأنٌ اجتِماعِيٌّ لا شَأنٌ عاطِفِيٌّ مُنفَرِد.

٧. «لَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ»: (ع ز م) و(ع ق د) والحاجِزُ الزَّمَنيّ

والجِذرُ (ع ز م) قد سَبَقَ تَحليلُه في الآيةِ 227 بِمَعنى القَرارِ الصُّلبِ المُدَبَّر، والجِذرُ (ع ق د) يَدُلُّ على الرَّبطِ المُحكَم. فـ«عَزمُ العُقدةِ» اتِّخاذُ القَرارِ النِّهائِيِّ لِإنشاءِ الرَّبطِ الشَّرعِيّ، لا النِّيّةُ المُجَرَّدة، والنَّصُّ يَمنَعُ هذا العَزمَ قَبلَ «بُلوغِ الكِتابِ أجَلَه». و«الكِتاب» هُنا إشارةٌ إلى العِدّةِ المَكتوبة، ومادّةُ (ك ت ب) تَحمِلُ مَعنى الفَرضِ والتَّقرير، فالعِدّةُ حُكمٌ مَكتوبٌ وليسَت اقتِراحاً. ولِلحاجِزِ الزَّمَنِيِّ هُنا وَظيفةٌ مُزدَوِجة: فَصلُ أمرَين (قَبرِ الزَّوجِ السّابِقِ وعَقدِ الزَّوجِ الجَديد) بِمَسافةٍ نَفسِيّةٍ كافية، وحِمايةُ المَرأةِ من القَرارِ تَحتَ الصَّدمة.

٨. «يَعلَمُ ما في أنفُسِكُم فَاحْذَرُوهُ»: (ع ل م) و(ح ذ ر) وسَقفُ النِّيَّة

ويَرفَعُ الخِتامُ سَقفَ المُراقَبةِ من الظّاهِرِ إلى الباطِن، والجِذرُ (ع ل م) يَجمَعُ الإحاطةَ بِالمَعلومِ إحاطةً تَفصيلِيّة، والجِذرُ (ح ذ ر) يَدُلُّ على الاحتِراسِ مِمّا يَضُرّ. فإن أمكَنَ الإنسانَ في الظّاهِرِ أن يُعَرِّضَ بِالكَلامِ بِلا تَصريح، وأن يُكِنَّ النِّيّةَ بِلا إفصاح، فإنَّه لا يُمكِنُه أن يُخفِيَ مَقصِدَه الحَقيقِيَّ عن الله، وهذا التَّهديدُ اللَّطيفُ («فَاحْذَرُوهُ») يُعَوِّضُ غِيابَ الرَّقابةِ البَشَرِيّةِ على السِّرِّ بِرَقابةٍ إلَهِيّةٍ شامِلة. ثُمَّ جاءَ خِتامُ الرَّحمة: (غَفورٌ حَليم)، والجِذرُ (غ ف ر) لِلسَّتر، والجِذرُ (ح ل م) لِلأناةِ وتَأخيرِ العُقوبة. فاللهُ يَعلَمُ ضَعفَكُم، ويُحَذِّرُكُم من الخَطَأ، ويَغفِرُ الوَسوَسةَ إذا رَجَعتُم، ويَحلُمُ عن العُقوبةِ المُعَجَّلة. وهذا الخِتامُ يَمنَعُ التَّشريعَ من أن يَتَحَوَّلَ إلى نِظامِ تَفتيشٍ قاسٍ، ويَجعَلُه نِظامَ تَربِيةٍ داخِلِيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: التَّعريضُ لُغةُ الحَذَرِ وليسَ مُراوَغة، والإكنانُ احتِرامٌ لِلمُدّةِ وليسَ خِداعاً، والمُواعَدةُ سِرّاً عَقدٌ ظِلِّيٌّ يَسرِقُ قَرارَ الأرمَلة، والقَولُ المَعروفُ هو الَّذي لا يَخجَلُ من النّور، وبُلوغُ الكِتابِ أجَلَه حِمايةٌ لِقَرارِها من صَدمةِ الفَقد، وعِلمُ اللهِ بِالنِّيّةِ سَقفٌ يَمنَعُ التَّحايُل، ومَغفِرَتُه مَعَ حِلمِه يُحَوِّلانِ الآيةَ من حُكمٍ تَفتيشِيٍّ إلى تَربِيةٍ لِلصَّدر.


حَصيلة

الآيةُ تُكمِلُ حِمايةَ الأرمَلةِ بَعدَ عِدَّةِ الأربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ: المُجتَمَعُ يَدفَعُ إليها رِجالًا يُريدون الزَّواجَ قَبلَ أن تَستَعيدَ اتِّزانَها، فَتَضبِطُ الآيةُ هذا الضَّغطَ بِثَلاثةِ خُطوط. الأوَّل: جِذرُ ع-ر-ض في «عَرَّضتُم» الإبداءُ مِنَ الجانِبِ لا مِنَ المُنتَصَف، ومُقابِلُه في اللُّغةِ التَّصريحُ الَّذي لَم يَذكُرْهُ النَّصُّ هُنا فَصارَ صَمتُه تَشريعاً؛ وجِذرُ ك-ن-ن في «أكنَنتُم» الاحتِفاظُ بِالقَصدِ داخِلَ غِلافٍ ذاتيٍّ لا يَنفَجِرُ نَحوَها قَبلَ الأوان. الثَّاني: المَنعُ الصَّريح لِلمُواعَدةِ السِّرِّيَّة، لأنَّ جِذرَ و-ع-د على وَزنِ المُفاعَلةِ يَعني اتِّفاقاً يُلزِمُها مُبَكِّراً ويَختَطِفُ قَرارَها؛ والاستِثناءُ «إلّا قَولاً مَعروفاً» يَشترِطُ ما لا يَخجَلُ مِن النُّورِ الاجتِماعيّ. الثّالث: حاجِزُ جِذرِ ع-ز-م وع-ق-د في «لَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ» حَتَّى تَنقَضيَ العِدَّةُ المَكتوبة، فَصلاً بَينَ فَقدِ الزَّوجِ السّابِقِ وعَقدِ الجَديدِ بِمَسافةٍ نَفسيَّةٍ كافِية. وتَختِمُ بِرَقابةٍ مُزدَوِجة: جِذرُ ع-ل-م يَلحَقُ النِّيَّةَ الخَفيَّة، فالتَّحايُلُ لَيسَ مَجالاً مَفتوحاً؛ ثمَّ جِذرُ غ-ف-ر وح-ل-م في غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يُحَوِّلُ الآيةَ مِن نِظامِ تَفتيشٍ إلى تَربيةٍ لِلصَّدر.