البقرة · الآية 230

﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

مَوقِعُ الآية: بَعدَ المَرَّتَين، الجِدار

تُكمِلُ هذه الآيةُ مَنطِقَ الآيةِ (229)، وهُناكَ قيلَ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، أي أنَّ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ الَّذي يَفتَحُ بابَ الرَّجعةِ مَحصورٌ بِمَرَّتَين، وهُنا يُكمَلُ البِناءُ بِبَيانِ ما بَعدَ الثّالِثة، وهوَ أنَّ البابَ قد انتَهى: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ. وهذا جِدارٌ تَشريعيٌّ حاسِمٌ يُغلِقُ دائِرةَ العَودةِ الذّاتيّةِ بَينَ الرَّجُلِ وزَوجَتِه بَعدَ ثَلاثِ طَلَقات.

جَذرُ (ن ك ح): «تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» زَواجٌ حَقيقيّ

واختيرَ الفِعلُ «تَنكِحَ»، ولا يَقِفُ مَعناه عِندَ «تَتَزَوَّج»، وجَذرُ (ن ك ح) يَحمِلُ مَعنى الاختِلاطِ والاجتِماعِ الكامِل، ويُشيرُ إلى عَقدٍ حَقيقيٍّ فيه حَياةٌ زَوجيّةٌ قائِمة، فلا مَجالَ لِزَواجٍ صوريٍّ قائِمٍ على نِيّةِ التَّحليلِ لِلأوَّل. والنَّصُّ وإن لَم يَذكُرْ لَفظَ «دَخَلَ بِها»، فإنَّ إطلاقَ «زَوجًا» (دونَ «رَجُلًا») وفِعلَ «تَنكِح» يَستَلزِمانِ أن يَكونَ هذا زَواجًا ذا طَبيعَتَيه: عَقدًا وعِشرة.

«زَوْجًا غَيْرَهُ»: مَنعُ الالتِفافِ الحِيَليّ

وكَلِمةُ غَيْرَهُ تُؤَكِّدُ أنَّ الطَّرَفَ الثّانيَ مُستَقِلٌّ تَمامًا عَن الأوَّل، لا يَجوزُ أن يَكونَ تابِعًا لَه ولا مُتَواطِئًا مَعَه. وكُلُّ «زَواجٍ» مَقصودُه التَّحليلُ مَعَ تَواطُؤٍ مُسبَقٍ بَينَ الرَّجُلَينِ خارِجٌ عَن روحِ الآية، ومُوقِعٌ في الحيلةِ الَّتي يَنفيها لَفظُ غَيْرَهُ نَفسُه: استِقلالُ الطَّرَفِ الثّاني يَقطَعُ كُلَّ تَواطُؤٍ مُلتَوٍ سابِقٍ على العَقد.

جَذرُ (ر ج ع) وَ«يَتَرَاجَعَا»: العَودةُ المُتَبادَلةُ، قَرارانِ لا قَرارٌ واحِد

وصيغةُ يَتَرَاجَعَا تَفاعُليّةٌ تَقتَضي فاعِلَين، فالرُّجوعُ بَعدَ الطَّلاقِ الثّالِثِ (إن وَقَعَ عَن طَريقِ الزَّوجِ الثّاني) قَرارٌ لا يَنفَرِدُ بِه الرَّجُلُ الأوَّل، والمَرأةُ هُنا شَريكةٌ في القَرار، لَها أن تَقبَلَ أو تَرفُض. وليسَ عَقدُ الزَّواجِ الجَديدِ مَشروعًا يَفرِضُه الرَّجُلُ بِقُوّةِ سابِقَتِه، وفي هذا تَأكيدٌ لِفاعِليّةِ المَرأةِ في بِنيةِ العَقد.

جَذرُ (ظ ن ن) وَ«إن ظَنّا»: شَرطُ الرُّشدِ الواقِعيّ

وفي إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ دِقّة، و«الظَّنُّ» هُنا غَلَبةُ الاعتِقاد، لا الوَهم، والنَّصُّ يَطلُبُ تَقديرًا واقِعيًّا بِأنَّ هذه المَرّةَ مُختَلِفة، بَعدَ التَّجرِبةِ المُرّةِ لِلطَّلاقاتِ الثَّلاث، وبَعدَ زَواجٍ آخَرَ مَرَّت بِه المَرأة، ولا يَطلُبُ يَقينًا مُطلَقًا لأنَّه غَيرُ مُمكِنٍ في الحَياة. فتَراجُعُهُما يَقومُ على تَقديرٍ ناضِجٍ أنَّهُما سَيُقيمانِ حُدودَ اللهِ هذه المَرّة، ولا يَكفي فيه شَوقٌ عابِر.

جَذرُ (ب ي ن) وَ«يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»: الحُدودُ لا تَخفى على المُتَأمِّل

وخُتِمَتِ الآيةُ بِعِبارةٍ لافِتة: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، و«يُبَيِّن» (ب ي ن) مَعناه يُظهِرُ بِجَلاءٍ ما كانَ مُلتَبِسًا، و«قَومٍ يَعلَمون» هُمُ الَّذينَ يَتَأمَّلون، ويَربِطونَ بَينَ الحِكمةِ والحُكم، ويَتَعامَلونَ مَعَ النَّصِّ بِناءً مَعقولًا لا أوامِرَ صَمّاء. فمَن لا يَتَأمَّلُ لا تَبينُ لَه هذه الحُدود، ويُسيءُ فَهمَها فيُسيءُ تَطبيقَها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الطَّلقةُ الثّالِثة» جِدارٌ تَشريعيٌّ يَمنَعُ استِخدامَ الطَّلاقِ سِلاحًا لا يَنتَهي، و«تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» زَواجٌ حَقيقيٌّ لا حيلةٌ مُتَواطَأٌ عَلَيها، و«يَتَرَاجَعَا» قَرارٌ مُشتَرَكٌ وفاعِليّةٌ لِلمَرأة، و«إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ» شَرطُ رُشدٍ عَقلانيٍّ لا اندِفاعٍ عاطِفيّ، و«حُدودُ اللهِ» بِنيةٌ لا تَبينُ إلّا لِقَومٍ يَتَأمَّلون.


حَصيلة

تَستَكمِلُ الآيةُ البِنيةَ الَّتي أُسِّسَت في 229: الطَّلاقُ الرَّجعيُّ مَرَّتان، فإذا وَقَعَتِ الثّالِثةُ قامَ جِدارٌ تَشريعيٌّ: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾. وجِذرُ ن-ك-ح في «تَنكِحَ» يَشتَرِطُ زَواجاً حَقيقيّاً في كِلا جانِبَيه، العَقدِ والعِشرة، فلا مَجالَ لِزَواجِ تَحليلٍ صوريٍّ مُتَواطَأٍ عَلَيه، وجِذرُ غ-ي-ر في «غَيْرَهُ» يُؤَكِّدُ استِقلاليّةَ الطَّرَفِ الثّاني عَن الأوَّلِ كُلِّيّاً. وإنِ انتَهى ذلك الزَّواجُ بِطَلاقٍ طَبيعيٍّ فجِذرُ ر-ج-ع في «يَتَرَاجَعَا» بِصيغةِ التَّفاعُلِ يَعني قَراراً مُشتَرَكاً بَينَ طَرَفَين، والمَرأةُ فيه شَريكةُ العَودةِ لا مَفعولُها. وجِذرُ ظ-ن-ن في «ظَنّا» غَلَبةُ الاعتِقادِ المَبنيِّ على تَجرِبةٍ مَرَّت وتَدَبُّرٍ ناضِج، لا انجِرافٌ عاطِفيّ. والمَقصِدُ الكُلِّيُّ مِن هذا الجِدارِ قَطعُ طَريقِ مَن أرادَ أن يَجعَلَ الطَّلاقَ سِلاحاً يَحتَفِظُ بِه لِلتَّلاعُب، وليسَ إذلالَ المَرأة. ويَختِمُ النَّصُّ بِـوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، فجِذرُ ب-ي-ن يُظهِرُ ما كانَ مُلتَبِساً لِمَن يَتَأمَّل، والحُدودُ لا تَبينُ إلّا لِقَومٍ يَربِطونَ بَينَ الحِكمةِ والحُكم.