البقرة · الآية 237

﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

١. «نِصفُ ما فَرَضتُم»: (ن ص ف) والحِسابُ العادِل

وأصلُ (ن ص ف) القِسمانِ المُتَساوِيان، ومِنه اشتُقَّ «الإنصاف»، فحُكمُ «نِصفُ ما فَرَضتُم» يَحمِلُ في ذاتِه مَنطِقَ العَدالةِ التَّقاسُمِيّة: العَقدُ انعَقَدَ ولم يَكتَمِل، فالحَقُّ يَنقَسِمُ بَينَ الطَّرَفَين. والنِّصفُ لِلمَرأةِ بِاعتِبارِ أنَّها بَذَلَت مَوقِعَها من الحُرِّيّةِ الأُنثَوِيّةِ واستَعَدَّت لِلزَّواج، والنِّصفُ الثّاني يَرجِعُ إلى الرَّجُلِ بِاعتِبارِ أنَّ الدُّخولَ لم يَحدُث. وهذا الحِسابُ يَحمي الطَّرَفَين: المَرأةَ من خُروجِها صِفرَ اليَدَين، والرَّجُلَ من دَفعِ كامِلِ ما فَرَضَ على عَقدٍ لم يَكتَمِل.

٢. «إلّا أن يَعفونَ أو يَعفوَ الَّذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح»: (ع ف و) والتَّنازُلُ الطَّوعيّ

ومادّةُ (ع ف و) في العَرَبِيّةِ لِلتَّركِ والمَحوِ والتَّنازُلِ عن الحَقّ. وقد عَرَضَ النَّصُّ طَريقَينِ لِلعَفو: عَفواً صادِراً من النِّساءِ (يَعفون)، وهو فِعلٌ لِلإناث، وعَفواً صادِراً من «الَّذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح». وهذا التَّوازُنُ السِّياقِيُّ مُدهِش: النَّصُّ يَفتَحُ العَفوَ لِلمَرأةِ أيضاً، ولا يَحصُرُه في يَدِ الرَّجُل. فالمَرأةُ يُمكِنُها أن تَقول: «لا أريدُ النِّصف، أنا مَن رَفَضتُ الزَّواج»، والرَّجُلُ يُمكِنُه أن يَقول: «أترُكُ نِصفي لَها، احتِراماً لِلعَقدِ الَّذي لم يُتَمَّ». والاحتِمالانِ مَفتوحان، ولا يُفَضِّلُ النَّصُّ أحَدَهُما على الآخَرِ في صِياغَتِه.

٣. «الَّذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح»: (ي د ي) و(ع ق د) وتَحديدُ المَوقِع

والمُؤَكَّدُ أنَّ العِبارةَ لا تُسَمّي صاحِبَها بِاسمِه، فتَحتَمِلُ في ظاهِرِ اللَّفظِ الزَّوجَ وتَحتَمِلُ الوَلِيّ. والتَّحقيقُ اللُّغَوِيُّ يَرجِعُ إلى الجِذرَين: (ي د ي) رَمزٌ لِلسُّلطةِ والمَوقِع، و(ع ق د) لِلرَّبطِ المُحكَم، فصاحِبُ السُّلطةِ على الرِّباطِ هو مَن يَستَطيعُ أن يَحُلَّه أو يُبقِيَه. وقد حَصَرَ النَّصُّ في الآيةِ 228 حَقَّ الرَّجعةِ في «بُعولَتُهُنَّ»، وجَعَلَ في الآيةِ 229 الرَّجُلَ صاحِبَ قَرارِ الإمساكِ والتَّسريح، فالسِّياقُ التَّشريعِيُّ كُلُّه يُرَجِّحُ أنَّ المَقصودَ بِالعِبارةِ هو الزَّوج. ومَعَ ذلك تَبقى في العِبارةِ مَساحةٌ تَوَسُّعِيّةٌ تُتيحُ تَطبيقَها في مُجتَمَعاتٍ يَتَدَخَّلُ فيها الوَلِيُّ أحياناً في مالِ المَرأة.

٤. «وأن تَعفوا أقرَبُ لِلتَّقوى»: (ق ر ب) و(و ق ي) وتَرتيبُ الأخلاق

وجاءَ «تَعفوا» بِصيغةِ الجَمعِ المُذَكَّر، وهو خِطابٌ لِلرِّجالِ في الغالِب، لِأنَّ المَرأةَ في هذا المَوقِفِ قد تَكونُ في حاجةٍ مالِيّةٍ فتَأخُذُ نِصفَها المَفروض، وأمّا الرَّجُلُ فهو مَن يُمكِنُه أن يَتَنازَلَ بِلا ضَرَر. والجِذرُ (ق ر ب) يَدُلُّ على المَسافةِ المُختَصَرة، والجِذرُ (و ق ي) على الصِّيانةِ والحِفظ. فالتَّقوى عِندَ اللهِ تَنازُلٌ أحياناً عن الحَقِّ لِلتَّقَرُّبِ إلى مَقامِ الإحسان، وليسَت ألّا يَأخُذَ المَرءُ إلّا حَقَّه. وهذه جُملةٌ تَشريعِيّةٌ تَرفَعُ السَّقفَ فَوقَ الحَدِّ المالِيّ: الحَدُّ الأدنى نِصف، والحَدُّ الأعلى عَفو، والحَدُّ الأقرَبُ لِلتَّقوى هو الأعلى.

٥. «لا تَنسَوا الفَضلَ بَينَكُم»: (ن س ي) و(ف ض ل) ومَبدأُ الذّاكِرةِ الحَسَنة

والجِذرُ (ن س ي) يَدُلُّ على السَّقطِ من الذّاكِرةِ لا بِالاختِيار، والجِذرُ (ف ض ل) على الزِّيادةِ والكَرَم. فالنَّهيُ «لا تَنسَوا» يُقَرِّرُ أنَّ المَرارةَ تَعمَلُ عَمَلَ النِّسيانِ في العَلاقاتِ البَشَرِيّة: الطَّلاقُ يَطمِسُ ما كانَ قَبلَه من لَحَظاتِ إعجابٍ واتِّفاقٍ ورَغبةٍ في التَّكَوُّن، والنَّصُّ يُصِرُّ على ألّا يُسمَحَ لِلفِراقِ بِأن يَمحُوَ الفَضلَ الَّذي كانَ بَينَهُما. و«بَينَكُم» تَقتَضي التَّبادُل: الفَضلُ تَبادُلٌ مُتَشابِك، ولم يَكُنْ من جانِبٍ واحِد. والمَطلوبُ أن يَحتَفِظا بِالتَّقديرِ المَبذولِ سابِقاً، ولا يَكفي ألّا يَحقِدا، وهذا المَبدَأُ القُرآنِيُّ يَسبِقُ الأخلاقَ العالَمِيّةَ الحَديثةَ في مُعامَلةِ الفِراقِ العائِلِيّ.

٦. «اللهُ بِما تَعمَلونَ بَصير»: (ب ص ر) وخِتامُ الرَّقابةِ العادِلة

والمُؤَكَّدُ أنَّ الخِتامَ بِـ«بَصير» مَقصودٌ دَقيق، والجِذرُ (ب ص ر) يُفيدُ الرُّؤيةَ بِالعَينِ الفاحِصة، وهي تَختَلِفُ عن «العِلم» الَّذي يَشمَلُ الغَيبَ والشَّهادة. فـ«بَصير» هُنا تَعليقٌ على الفِعلِ الظّاهِر: هل عَفا المَرءُ أم أصَرّ، وهل تَنازَلَ أم تَشَبَّث، وهل تَذَكَّرَ الفَضلَ أم نَسِيَه. واختِيارُ اسمِ «بَصير» دونَ «سَميع» و«عَليم» يَرسُمُ مَشهَداً: اللهُ يَنظُرُ كَيفَ تَتَفَرَّقُ الأُسرة، ويَرى مَن كانَ شَريفاً ومَن كانَ ضَنيناً، والفِراقُ تَحتَ نَظَرِه لا في غَيبَتِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «النِّصف» أرضِيّةٌ مادِّيّةٌ وليسَ سَقفاً؛ و«العَفو» مَنفَذانِ مُتَقابِلان، من المَرأةِ أو من الرَّجُل، لا فَضلَ لِأحَدِهِما على الآخَرِ في النَّصّ؛ و«الَّذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح» صاحِبُ السُّلطةِ على الرِّباط؛ و«أن تَعفوا أقرَبُ لِلتَّقوى» سَقفٌ أخلاقِيٌّ يَعلو على الحَقِّ المالِيّ؛ و«لا تَنسَوا الفَضلَ بَينَكُم» يُعلِنُ أنَّ الفِراقَ عِندَ القُرآنِ لا يَمحو جَميلَ العِشرة، و«بَصير» يُراقِبُ أخلاقَ الفِراقِ لا حِسابَ الدَّفتَر.


حَصيلة

الآيةُ تُكمِلُ لَوحةَ الطَّلاقِ قَبلَ المَسِّ من حَيثُ وَقَفَت 236، والحالةُ هُنا أنَّ المَهرَ فُرِض، فيَقضي النَّصُّ بِجِذرِ ن-ص-ف في «فَنِصفُ ما فَرَضتُم»، وهو حِسابٌ تَقاسُمِيٌّ عادِلٌ لِعَقدٍ انعَقَدَ ولم يَكتَمِل. ثُمَّ يَفتَحُ جِذرُ ع-ف-و في «يَعفونَ» و«يَعفوَ» مَنفَذَينِ مُتَعادِلَين: عَفوَ المَرأةِ عن نِصفِها، وعَفوَ «الَّذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح» بِتَركِ المَهرِ كامِلاً لَها، والصّيغَتانِ مُتَوازِيَتانِ في النَّصِّ بِلا تَفضيلٍ لِأحَدِهِما في اللَّفظ. ثُمَّ يَرفَعُ سَقفَ الأخلاقِ فَوقَ الحَقِّ المالِيّ: وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾، وجِذرُ ق-ر-ب يُفيدُ أنَّ العَفوَ يُقَرِّبُ من مَقامٍ يَعلو على الحَقِّ القانونِيّ. ويَختِمُ بِمَبدَأٍ يَسبِقُ أخلاقِيّاتِ الفِراقِ الحَديثة: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وجِذرُ ف-ض-ل الكَرَمُ الَّذي تَبادَلاه، لا يَمحوه المالُ ولا المَرارة، والفِراقُ في هذا القُرآنِ خُروجٌ بِلا كَراهِية. وجِذرُ ب-ص-ر في «بَصير» يُراقِبُ أخلاقَ الفِراقِ لا حِسابَ الدَّفتَر.