القَرار
إمساكُ الجاري حَتّى يَسكُنَ في مَوضِعِه. ويَقَعُ الإمساكُ على البَدَنِ فيَكونُ مُستَقَرّاً، وعلى العَينِ فتَقَرّ، وعلى القَولِ فيَكونُ إقراراً لا يَملِكُ صاحِبُهُ نَقلَهُ بَعدُ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ق: انعِقادُ أقصى اللِّسانِ على أقصى الحَنَكِ يَحتَبِسُ خَلفَهُ
النَّفَسُ مُشتَدّاً ثُمَّ يَنقَطِعُ عَنهُ بِإطلاقٍ قاطِع. شِحنَتُه: عَقدٌ في العُمقِ يَحتَبِسُ ويَشتَدّ.
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسان، كُلُّ
خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها. شِحنَتُه: جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ بِلَمسةٍ ماسِكة.
النَّواةُ قر (ق + ر) = عَقدٌ يُمسِكُ الجاري: القافُ تَعقِدُ في العُمقِ وتَحبِس، والرّاءُ تَجري وتَلمِسُ لَمساً ماسِكاً. فالنَّواةُ لِقاءُ ثابِتٍ بِمُتَحَرِّك: لا سُكونٌ ابتِداءً، بَل جَرَيانٌ يُصادِفُ عَقداً.
والرّاءُ مُكَرَّرةٌ في هذا الجَذر، والتَّكرارُ يُعيدُ اللَّمسةَ الماسِكةَ على نَفسِها مَرّةً بَعدَ مَرّة، فلا يُفلِتُ الجاري بَعدَ الإمساكةِ الأولى بَل يُعادُ إمساكُهُ حَتّى يَخلُدَ إلى مَوضِعِه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إمساكٌ عَميقٌ مُتَكَرِّرٌ يُنهي حَرَكةَ الجاري في مَوضِعٍ بِعَينِه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: قَرَّ في المَكانِ إذا ثَبَتَ فيهِ بَعدَ تَنَقُّل، والقَرارُ المَوضِعُ الذي يُنتَهى إليه، وقَرَّتْ عَينُهُ إذا سَكَنَت عَنِ التَّقَلُّبِ والطَّلَب، وأقَرَّ بِالأمرِ أثبَتَهُ فلَم يَبقَ لَهُ فيهِ تَحَوُّل.
الشِّحنةُ الجامِعة: انتِهاءُ حَرَكةٍ إلى مَوضِعٍ يُمسِكُها.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- مُسْتَقَرٌّ (اسمُ مَكانٍ من استَفعَل)، ٢:٣٦ و٣٦:٣٨: زِيادةُ
السّينِ والتّاءِ تَجعَلُ المَوضِعَ مَطلوباً أو مَقصوداً، لا مَحَلّاً وُجِدَ فيهِ صاحِبُهُ ابتِداءً.
- أَقْرَرْتُمْ (أفعَلَ، ماضٍ لِجَماعةِ المُخاطَبين)، ٢:٨٤:
الهَمزةُ تَنقُلُ الثَّباتَ إلى فِعلٍ يُوقِعُهُ صاحِبُهُ على غَيرِه.
- أَأَقْرَرْتُمْ (الصّيغةُ نَفسُها داخِلةً عَلَيها هَمزةُ
استِفهام)، ٣:٨١: الاستِفهامُ يَطلُبُ إيقاعَ التَّثبيتِ قَبلَ وُقوعِه.
- أَقْرَرْنَا (أفعَلَ، ماضٍ لِلمُتَكَلِّمين)، ٣:٨١: الجَوابُ
يوقِعُ ما طَلَبَهُ الاستِفهام.
- تَقَرَّ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِـ«كَي»)، ٢٠:٤٠: الثُّلاثِيُّ
المُجَرَّدُ حَيثُ يَكونُ الثَّباتُ حالاً تَقَعُ لا فِعلاً يُوقَع.
فالوَزنُ يُوَزِّعُ الجَذرَ على ثَلاثِ جِهات: مَوضِعٌ يُنتَهى إليه، وحالٌ تَقَعُ بِمَن قَرَّ، وفِعلٌ يُثَبِّتُ بِهِ فاعِلٌ ما لَم يَكُن ثابِتاً.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: انتِهاءُ الحَرَكةِ إلى مُمسِك، من الحُروف.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشور. ويَتَمَيَّزُ الجَذرُ عَمّا يُجاوِرُه: السُّكونُ انقِطاعُ الحَرَكةِ في مَوضِعٍ يُؤوى إليه ابتِداءً، والثَّباتُ صُمودٌ يُقاوَمُ بِهِ ما يُزَحزِح، والقَرارُ انتِهاءُ جَرَيانٍ سابِقٍ إلى مَوضِعٍ يُمسِكُه. ولِذلكَ لا يُقالُ «قَرَّ» إلّا لِمَن كانَ يَتَحَرَّكُ قَبلَه.
المَواضع: مَواقعُ القَرارِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣٦ ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ
حِينٍ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ اسمَ مَكان، ويُعطى لِمَن أُخرِجَ من مَوضِعٍ قَبلَه، فالمُستَقَرُّ في أوَّلِ ما يُنشَرُ منهُ جَوابُ حَرَكةٍ لا وَصفُ سُكونٍ أزَلِيّ، وهو نَصُّ ما تُعطيهِ الحُروف: عَقدٌ يُمسِكُ جارِياً. وتَقَعُ الجُملةُ بَعدَ ﴿اهْبِطُوا﴾ ومَعَ ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فالمَوضِعُ المُمسِكُ لَيسَ مَوضِعَ أمن. ويُحَدُّ بِـ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾: إمساكٌ مُؤَقَّت. انظُر الهُبوط والأَرض والمَتاع.
- ٢:٨٤ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ ثُمَّ ﴿ثُمَّ
أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من مَوضِعٍ يُمسِكُ بَدَناً إلى فِعلٍ يُمسِكُ قَولاً. والميثاقُ مَأخوذٌ قَبلَ الإقرار، فالإقرارُ لا يُنشِئُهُ بَل يُثَبِّتُهُ حَتّى لا يَتَحَوَّل، وهذا هو الجَذرُ عَينُه: ما جَرى يُمسَكُ في مَوضِعِه. وزِيادةُ ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تَجعَلُ التَّثبيتَ ظاهِراً لِغَيرِ صاحِبِه. انظُر الميثاق والشَّهيد / الشُّهَداء.
- ٣:٨١ ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ
إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾: الجَديدُ: الصّيغةُ تُعادُ مَرَّتَينِ في مُحاوَرةٍ واحِدة، سُؤالاً وجَواباً، فيَصيرُ التَّثبيتُ مَنطوقاً مَطلوباً لا حالاً تُستَنتَج. وفي ٢:٨٤ جاءَ الإقرارُ خَبَراً عَن قَومٍ بَعدَ أخذِ ميثاقِهِم، وهو هُنا مَطلوبٌ بِالاستِفهامِ قَبلَ أن يَقَع، ثُمَّ يُؤَدّى بِلَفظِهِ. ويُسَمّى المَأخوذُ ﴿إِصْرِي﴾، فيَجتَمِعُ في الجُملةِ أخذُ ثِقلٍ وتَثبيتُ قَول. انظُر الإصر والقَول.
- ٢٠:٤٠ ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا
وَلَا تَحْزَنَ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ مُضارِعٍ لِلجَذرِ في المَنشور، وأوَّلُ مَرّةٍ يَكونُ فيها المُمسَكُ عَيناً لا بَدَناً ولا قَولاً. والعَينُ إنَّما تَقَرُّ إذا انتَهى تَقَلُّبُها في الطَّلَب، ولِذلكَ عُطِفَ عَلَيها نَفيُ الحُزن. والوَسيلةُ إلى هذا القَرارِ رَجعٌ سابِقٌ ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾: يُرَدُّ الجاري إلى مَوضِعِهِ فيَسكُنُ ما كانَ يَتَقَلَّبُ. انظُر الحُزن والرُّجوع.
- ٣٦:٣٨ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾: الجَديدُ:
يَعودُ اسمُ المَكانِ الذي افتُتِحَ بِهِ الجَذر، ولَكِنَّهُ يَنقَلِبُ من ظَرفٍ يَسكُنُ فيهِ صاحِبُهُ إلى غايةٍ يَجري إليها. واللّامُ في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ لامُ الغاية، والفِعلُ المُصاحِبُ ﴿تَجْرِي﴾: فيَجتَمِعُ في جُملةٍ واحِدةٍ طَرَفا النَّواة، الجَرَيانُ والعَقدُ الذي يُمسِكُه. وتَختِمُ الآيةُ بِـ﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، فالمَوضِعُ الذي تَنتَهي إليهِ الحَرَكةُ مُقَدَّرٌ لا مُصادَف. انظُر الشَّمس والجَريان والتَّقدير.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
sukun: ٢:٣٥ تَأمُرُ بِالسُّكنى في الجَنّة، و٢:٣٦ تُعطي
المُستَقَرَّ في الأرضِ بَعدَ الخُروجِ منها، فيَفتَرِقُ المَفهومان: السُّكنى إيواءٌ ابتِداءً، والقَرارُ نِهايةُ حَرَكة.
mithaq: ٢:٨٤ تَضَعُ الإقرارَ بَعدَ أخذِ الميثاق، فالتَّثبيتُ
لاحِقٌ بِالعَقدِ لا مُنشِئٌ لَه.
shahid: ٢:٨٤ تَقرِنُ الإقرارَ بِالشَّهادة، و٣:٨١ تَختِمُ
المُحاوَرةَ بِالأمرِ بِالشَّهادة، فيَلزَمُ التَّثبيتَ إشهاد.
huzn: ٢٠:٤٠ تَجعَلُ قَرارَ العَينِ في مُقابَلةِ الحُزن،
فالحُزنُ تَقَلُّبٌ والقَرارُ انتِهاؤُه.
jarayan: ٣٦:٣٨ تَجمَعُ الجَرَيانَ والمُستَقَرَّ في جُملةٍ
واحِدة، فيَظهَرُ أنَّ الجَذرَينِ طَرَفانِ لِحَرَكةٍ واحِدة.
taqdir: ٣٦:٣٨ تَنسِبُ المُستَقَرَّ إلى تَقديرِ العَزيزِ
العَليم، فمَوضِعُ الإمساكِ مُقَدَّرٌ لا يَقَعُ اتِّفاقاً.
mata3: ٢:٣٦ تَعطِفُ المَتاعَ على المُستَقَرِّ وتَحُدُّهُما
مَعاً بِـ﴿إِلَىٰ حِينٍ﴾، فالإمساكُ في الأرضِ مُؤَقَّتٌ كَمَتاعِها.
الإشكالات المَفتوحة
- **كَيفَ يَجتَمِعُ الإقرارُ بِالقَولِ والاستِقرارُ في المَكانِ في
جَذرٍ واحِد؟** الحُروفُ تُعطي إمساكَ الجاري حَتّى يَنتَهيَ في مَوضِعِه، والقَولُ المُتَرَدِّدُ جارٍ حَتّى يُنطَقَ بِهِ أمامَ شاهِدٍ فيَثبُتَ في مَوضِعِهِ ولا يَملِكُ صاحِبُهُ نَقلَه. فالوَجهانِ تَطبيقانِ لِشِحنةٍ واحِدةٍ على مادَّتَينِ مُختَلِفَتَين، ويَشهَدُ لِذلكَ اقتِرانُ الإقرارِ بِالإشهادِ في المَوضِعَينِ كِلَيهِما.
- هل «المُستَقَرّ» في المَنشورِ مَوضِعٌ أم وَقت؟ ٢:٣٦ تَجعَلُهُ
مَوضِعاً مَحدوداً بِزَمَن، و٣٦:٣٨ تَجعَلُهُ غايةً لِجَرَيان. والسّينُ والتّاءُ في الوَزنِ تُفيدانِ الطَّلَبَ والقَصد، وهو يُلائِمُ الغايةَ أكثَرَ ممّا يُلائِمُ الظَّرف. والمَسألةُ تَبقى مَفتوحةً ما دامَ المَنشورُ يَحمِلُ الوَجهَين.