البقرة · الآية 36

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ

«فَأَزَلَّهُمَا»: الانزلاقُ تفاعلٌ مع الإرادةِ لا إجبار

الإزلال من جذر (ز ل ل)، وأصله فقدُ التوازن والانزلاقُ من موضعٍ ثابت، فهو اختلالٌ في الاتّزان يجرّ صاحبه بتعلّقٍ مستمرّ، وليس دفعاً قاسراً من خارج. والشيطان من (ش ط ن)، ومعناه البُعد والتباعد عن المستقيم، وقد أمال الأرض تحت آدم وزوجه حتّى زلّا بإرادتهما، ولم يأخذ بأيديهما فيُخرجهما دفعاً. والإضلال في سنن الله تفاعلٌ كونيٌّ مع اختيار العبد، وليس إجباراً قسريّاً: حين يختار العبد طريقاً فاسداً لا يغلقه الله عليه، وتتفاعل القوانين مع الاختيار فيزداد الانحراف، فالبداية من العبد ثمّ تتحقّق السنّة. وزلّة آدم كانت من غفلةٍ ونسيان، لا من مواجهة، فمرض التكبّر ابتُلي به إبليس فطُرد، وأمّا آدم فترقّى ترقّياً نزوليّاً إلى أرض التجربة، ولم يُطرد. والذي استغلّه الشيطان فيه البراءة الأصليّة التي لا تتوقّع أن يكذب أحدٌ على الله، إذ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، ووعدهما ببريق شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾، فأنساهما الأمر الإلهيّ.

«فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ»: انحلالُ السكونِ لا طَرْد

والخروج من (خ ر ج)، ومعناه تخلخلٌ مسترسلٌ يبرز خارج المكان، فهو ضدّ «السَّكن» الذي أُمر به آدم في الآية السابقة. وخسرانه الحقيقيّ خسرانُ حالة، ولم يكن جغرافيّاً، وهي حالة السكون التي كانت تتجلّى له فيها الجنّة، والأمن من الجوع والعَراء، كما قال في موضعٍ آخر إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ﴾. والبشارة هناك مبنيّةٌ على نفي النقص لا على إثبات الزيادة: الجنّة كانت حمايةً ممّا يخشاه البشر من الجوع والعَراء وظروف الزمان والمكان، فلمّا خرج منها دخل في جهازٍ جديدٍ تتعاقب فيه الحاجة والسدّ. والعبرة الأعمق في هذا الموضع أنّ العبادة لا يجوز أن تُبنى على حرف المعرفة وحده، لأنّ المعرفة تحضر وتغيب، فيصير الإنسان يختار: «هذه أُطبّقها لأنّي أفهمها، وهذه لا أُطبّقها لأنّي لا أفهمها»، والأصل أن يطيع في كلّ الأحوال.

«اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ»: الأرضُ مسرحُ التكليفِ المقرَّر

والهبوط من (ه ب ط)، ومعناه النزول والاستقرار في مرتبةٍ أدنى، وهو في هذا الموضع هبوطٌ على مستويين: أوّلُه معنويّ، إذ كانوا في عين الرحمة التي لا يتخلّلها تكليف، فنزلوا إلى الرحمة التي فيها مشقّة التكليف وتدبير الرزق بأنفسهم، وثانيه حسّيٌّ واضح، من موضعٍ أعلى إلى الأرض التي هي الجانب المادّيّ القابل للتدخّل البشريّ. والأرض موطن التكليف المقرَّر منذ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وليست عقوبة، فالهبوط تحقيقٌ للاستخلاف لا إلغاءٌ له. والعدوّ من (ع د و)، ومدارها على ما يبرز من العمق ويحتبس ويحيط بصاحبه، أي عداءٌ عميقٌ لا غضبٌ عابر، وحصارٌ من الداخل. وقوله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وصفٌ لسنّة الأرض، وهي أنّ تعدّد الإرادات واختلاف الولاءات يولّد حصاراً متبادلاً بين بني البشر، ولا ينقض هذا الحصارَ إلّا رجوعٌ إلى محورٍ واحدٍ فوقهم يجمع افتراقهم.

«مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ»: إقامةٌ مؤقّتةٌ وانتفاعٌ يَستَهلكُ نفسَه

والمستقرّ من (ق ر ر)، وهو موضع قرارٍ مؤقّتٍ لا موضعُ أصل، والمتاع من (م ت ع)، وهو انتفاعٌ ينقضي مع الاستعمال ولا يدوم. والوصف يرسم الوضع الجديد بدقّة، ولا ينتهي عند الخسارة: الأرض مكان قرارٍ يُحتفظ فيه إلى أجل، والمتاع فيها انتفاعٌ مستهلِك. ومن هنا كان كلّ طلبٍ للخلود في الأرض طلباً في غير موضعه: الأرض خُلقت ليُعبَر فيها إلى ما بعدها، ولم تُخلق ليُقام فيها أبداً. وفي قوله إِلَىٰ حِينٍ﴾ تأكيدٌ لهذا الحدّ المعلوم في علم الله، المجهول عندنا، لأنّ الحين في لغة العرب وقتٌ مبهَمٌ مقدَّرٌ بحدٍّ لا بعدّ. والكلمة تسبق المصطلح، والدور يسبق الهويّة، و«المؤمن» و«الكافر» في الأرض دوران يؤدَّيان على خشبة مستقرٍّ مؤقّت، وليسا هويّتين مستقرّتين، وكلٌّ يرجع إلى الله بحسب ما صنع.


حَصيلة

الزَّلّةُ في هذه الآيةِ إمالةُ أرضٍ، ولم تَكُنْ دَفعاً قَسرِيّاً، وجِذرُ ز-ل-ل بِتَضعيفِ اللّامِ انزِلاقٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَتَعَلَّق، لا سُقوطٌ مُفاجِئٌ في لَحظة. والشَّيطانُ من جِذرِ ش-ط-ن، ومَعناه ابتِعادٌ ضاغِطٌ يُشَتِّتُ عن المَركَز، وحَرَكَتُه تَتَفاعَلُ مَعَ اختِيارِ العَبدِ ولا تُلغيه. والذي استَغَلَّه إبليسُ هُنا البَراءةُ الأصلِيّةُ التي لا تَتَوَقَّعُ أن يَكذِبَ أحَدٌ بِاسمِ الله، وقد عُدِلَ في القُرآنِ عن اسمِه إلى لَقَبِه «الشَّيطانُ» إذ يَصِفُ الوَظيفةَ دونَ الشَّخص. والخَسارةُ الحَقيقِيّةُ فَقدُ حالةِ السَّكَن، ولم تَكُنْ مَكانِيّة: الخُروجُ من جِذرِ خ-ر-ج نَقيضُ «اسكُن» في الآيةِ قَبلَها، وهو انحِلالُ الهُدوءِ ودُخولُ نِظامِ الحاجةِ والسَّدّ. ثُمَّ جاءَ الأمرُ بِالهُبوط، وهو من جِذرِ ه-ب-ط نُزولٌ واستِقرارٌ في مَرتَبةٍ أدنى، وصَحِبَه وَصفٌ لِبيئةِ الأرض: «بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوّ»، والعَداوةُ من جِذرِ ع-د-و ظُهورٌ من عُمقٍ يَحتَبِسُ ويُحيطُ بِصاحِبِه، أي عَداءٌ مَكبوتٌ يُحاصِرُ لا غَضَبٌ عابِر. ولم يَنتَهِ الوَصفُ عِندَ ذلك: الأرضُ «مُستَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حين»، أي مَوضِعُ قَرارٍ لَيسَ أصلاً، وانتِفاعٌ يَستَهلِكُ نَفسَه، فكُلُّ طَلَبٍ لِلخُلودِ فيها طَلَبٌ في غَيرِ مَوضِعِه. والأرضُ تَحقيقٌ لِما أُعلِنَ مُنذُ البِداية، وليسَت عُقوبة، والكَلِمةُ قَبلَ المُصطَلَح، والنُّزولُ امتِدادُ الخِلافةِ لا إلغاؤُها.