آل عمران · الآية 98

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ»: الأمرُ يُوَجِّهُ النِّداءَ إلى صِلةٍ مَلفوظة

يَفتَحُ «قل» خِطاباً مأموراً به، ثمّ يأتي النِّداءُ «يا أهل الكتاب». والأَهْلُ هنا مُضافٌ إلى الكتاب، فتكونُ صِلتُهم المَذكورةُ هي ما يُنادَونَ به: نِسبةٌ إلى مَتنٍ يُقرَأ، لا إلى نَسَبٍ يُورَث. والإضافةُ تَجعَلُ الوَصفَ قائماً بالكتابِ نَفسِه، فمَن نُودِيَ فقد نُودِيَ بما هو عِندَه. والنِّداءُ يُحضِرُ الكتابَ داخلَ المواجَهة؛ فالآياتُ التي سيُسألونَ عنها لا تُوضَعُ أمامَ جَماعةٍ بلا عَلاقةٍ بها، بل أمامَ أهلٍ يُنسَبونَ إلى كتاب. وبهذا يَصيرُ السُّؤالُ الآتي سُؤالَ مَن يَحمِلُ ما يُسألُ عنه.

«لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ»: السُّؤالُ يَطلُبُ مَسوِّغَ الحَجب

«لِمَ» تَختَصِرُ «لِماذا» فتَسألُ عن العِلّةِ التي يُبنَى عليها الفِعل. وفي «تَكفُرون» تَكتُمُ الكافُ ما بَلَغَهم، وتَشُقُّ الفاءُ للكَتمِ مَنفَذاً ضَيِّقاً، وتَجري الراءُ به مُستَرسِلاً؛ فالمَسؤولُ عنه فِعلٌ ماضٍ في جَرَيانِه لا حالٌ ساكِنة، ولذلك جاءَ السُّؤالُ بالمُضارِعِ الجَمعيِّ يُواجِهُهم به وهو يَجري. والباءُ تَصِلُ هذا الكَتمَ بمَفعولٍ مُسَمّى: «آيات الله»، فيَقَعُ الحَجبُ على شَيءٍ بعَينِه لا على عُنوانٍ مُجرَّد. وإضافةُ الآياتِ إلى الله تُثبِتُ مَصدَرَها، فيَصيرُ السُّؤالُ سُؤالاً عن كَتمٍ يَعرِفُ صاحِبُه مِن أينَ جاءَ ما كَتَمَه. وهذا وَجهُ «لِمَ»: أن يُطلَبَ مَسوِّغٌ لِفِعلٍ مَعلومِ المَوضوعِ ومَعلومِ المَصدَرِ عندَ فاعِلِه.

«وَاللَّهُ شَهِيدٌ»: السُّؤالُ يَقَعُ تحتَ حُضورٍ مُحيط

تَعطِفُ الواوُ جُملةً اسميّةً حاليةً تبدأُ باسمِ الله. الشَّهادةُ من ش-ه-د، ونواتُها المُلزِمةُ «شه» هي: انتِشارٌ يَخفُتُ في فَراغ. ثمّ تأتي الدالُ فتَضغَطُ الحُضورَ وتُثَبِّتُه. و«شهيد» صِيغةُ مُبالَغةٍ تَجعَلُ الشَّهادةَ صِفةً راسِخةً واسعةَ الإحاطة. لذلك لا يَقَعُ سؤالُ «لِمَ» في حَوارٍ يَخفى فيه الفِعلُ عن السّائِل؛ المخاطَبونَ يُسألونَ، وفي الحالِ نفسِها يُثبَتُ أنَّ الله شهيد.

«عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ»: الشَّهادةُ تَتَعَلَّقُ بالعَمَل

يَتَعَلَّقُ «على» بالشَّهادة، و«ما» تَفتحُ عُمومَ العَمَلِ الذي يَصدُرُ عنهم. وفي «تَعمَلون» تَظهَرُ العَينُ من عُمقٍ إلى خارِج، وتَضُمُّ الميمُ ما ظَهَرَ فتُمسِكُه، وتَتَعَلَّقُ اللامُ بأَثَرٍ فتَحوزُه؛ فالعَمَلُ ما خَرَجَ من الباطِنِ حتى صارَ له أَثَرٌ يُرى. ولذلك جاءَت الشَّهادةُ مُعَلَّقةً به: «على ما تعملون»، فمَحَلُّ الشُّهودِ هو الأَثَرُ الظاهِرُ الجاري في زَمَنِ الخِطاب. والفِعلُ مضارعٌ يُوافِقُ «تكفرون»، فيَجري الحَجبُ والعَمَلُ في زَمَنٍ واحِد، ويَدخُلُ الحَجبُ نَفسُه في جُملةِ ما يُشهَدُ عليه. وهكذا يَنتَقِلُ النِّداءُ من صِلةِ الكتاب، إلى سُؤالِ الآيات، إلى عَمَلٍ مَشهود.


حَصيلة

يُنادَى أهلُ الكتابِ بصِلتِهم إلى الكتاب، ثمّ يُسألونَ عن سَببِ حَجبِهم آياتِ الله. فالنِّداءُ يُثبِتُ نِسبةً إلى مَتنٍ حاضِر، والسُّؤالُ يُثبِتُ فِعلاً واقِعاً على آياتٍ مُضافةٍ إلى مَصدَرِها. وتأتي الواوُ بجُملةِ الحال فتَضعُ السؤالَ تحتَ شَهادةِ اللهِ الرّاسِخة، ثمّ تَصِلُ الشَّهادةَ بما يَعمَلون. فتَجتَمِعُ في الآيةِ ثلاثةُ حُدود: صِلةٌ مَلفوظة، وفِعلٌ جارٍ في زَمَنِ الخِطاب، وشُهودٌ يُحيطُ بالأَثَرِ الظاهِر. وبهذا يَبقى السُّؤالُ سُؤالاً عن عَمَلٍ يُرى، مَوجَّهاً إلى مَن يَحمِلُ ما يُسألُ عنه.