آل عمران · الآية 140

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

«إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ»: القَرحُ يَضَعُ المَوقِفَينِ في مِيزان

تَفتَحُ «إن» احتمالَ الشرطِ وتَدخُلُ على المضارعِ «يمسسكم». المَسُّ من م-س-س ضمٌّ ولقاءٌ يَدخُلُ مَجرىً دقيقاً ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ السينِ اتصالَه، فيَحمِلُ وصولاً مباشراً إلى المخاطَبين. والفاعلُ «قرح» من ق-ر-ح: عقدٌ في العُمقِ يَجري ثمّ يَدخُلُ احتواءً باطناً، فيَسمّي جُرحاً يَتَّصلُ بالجسدِ أو الحال. واللفظُ نكرةٌ، فتَقِفُ الجُملةُ عندَ قَدرٍ واحدٍ تَحمِلُه: قَرحٌ يَمَسُّهم. وهذا القَدرُ بعَينِه هو الذي سيَجعَلُه الجَوابُ مِيزاناً، إذ يُقابِلُه بقَرحٍ مِثلِه لا أزيدَ ولا أنقَص.

«فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ»: الجوابُ يُقيمُ مُماثلةً صريحة

تَصلُ الفاءُ جوابَ الشرط، وتُحققُ «قد» وقوعَ الماضي: مسَّ القومَ. تقدّمَ المفعولُ «القوم» ثمّ جاءَ الفاعلُ «قرح»، فتَوزّعَ المسُّ على جماعةٍ سمّاها هذا اللفظ. القومُ من ق-و-م عقدٌ يحتوي ثمّ يضمُّ ويلتقي، فيَحملُ جماعةً قائمةً معاً. أمّا «مثله» فتُحيلُ إلى القرحِ الأولِ وتَحصرُ المماثلةَ في هذا الجرحِ المذكور.

«وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ»: التَّداولُ يُحرِّكُ الأيامَ بينَ الجماعة

تَستأنفُ الواوُ جملةً وتُشيرُ «تلك» إلى الأيامِ، ثمّ يَعودُ عليها ضميرُ «نداولها» مفعولاً. اليومُ من ي-و-م امتدادٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ويَضُمُّ الزمنَ في وحدة. التداولُ من د-و-ل دَفعٌ نافذٌ يَنعَقِدُ في إحاطةٍ ثمّ يَمتَدُّ بينَ أطراف، وصيغةُ المفاعلةِ تَحمِلُ تعاقباً متبادلاً. الظرفُ «بين الناس» يَحدُّ مَجالَ الحركة، فلا يَثبُتُ اليومُ لجهةٍ واحدة.

«وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ»: التَّداوُلُ يَكشِفُ الإيمانَ ويَتَّخِذُ الشُّهَداء

تَدخلُ الواوُ واللامُ على «يعلم» فتَربطانِ تداولَ الأيامِ بمآلٍ: أن يَعلمَ الله الذين آمنوا. يَبقى الفعلُ في موضعِه مآلاً يظهرُ فيه أصحابُ الإيمان. ثمّ تَعطفُ «ويتخذ» مآلاً ثانياً. الاتخاذُ من أ-خ-ذ إطلاقٌ يَخترقُ وينفذُ متصلاً، فيَحملُ أخذاً مقصوداً. و«منكم» تبعيضيةٌ تَحصرُ الاتخاذَ في بعضِ المخاطبين، أمّا ش-ه-د فتَنشرُ الحضورَ ثمّ تُثبته، فيَصيرُ المأخوذونَ منهم شهداء.

«وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ»: الخاتمةُ تَنفي المَحبّةَ عن طبيعةِ الظُّلم

ثمّ تَجيءُ الواوُ بجُملةٍ يَتَقَدَّمُ فيها اسمُ الله على خَبَرِه، ويَقعُ النفيُ على المضارعِ «يحبُّ» فيَرفعُ تجدّدَ المحبةِ عن الظالمين. في ظ-ل-م يَتعلّقُ الغطاءُ بالمحلِّ ثمّ يضمُّه في ثقلٍ يَحولُ دونَ الحق، و«الظالمين» يَعرضُ أصحابَ هذا الحجبِ قائمينَ بفعلهم. فتَختمُ الجملةُ حركةَ الأيامِ والعلمِ والاتخاذِ بميزانٍ يَربطُ الحكمَ بفعلِ الظلم، فيَبقى تَداولُ الأيامِ حَرَكةً لا تُبَرِّرُ لصاحِبِ اليَومِ ما يَصنَعُه فيه.


حَصيلة

تَبدأُ الآيةُ بمُماثلةٍ محدودة: إن مسَّ المخاطَبينَ قرحٌ فقد مسَّ القومَ قرحٌ مثلُه. ثمّ تَنتقلُ إلى الزمن، فتَجعلُ الأيامَ مفعولَ تداولٍ بينَ الناسِ لا مِلكاً لطرف. وتَصلُ اللّامُ التداولَ بأن يَعلمَ الله الذين آمنوا وأن يَتّخذَ منهم شهداء. والشُّهداءُ في اللفظِ مَأخوذونَ «منكم»، فهُم بَعضٌ من المخاطَبينَ اتَّخَذَهم الفاعِلُ نفسُه الذي يُداوِلُ الأيام. أمّا الخاتمةُ فتَنفي محبةَ الله عن أصحابِ الظلمِ المستمرّ، فتَمنعُ تداولَ الحالِ من أن يُقرأَ رضاً به.