آل عمران · الآية 70

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ»: الصِّفةُ تُبقي الخِطابَ عندَ مَرجِعِه

للمَرّةِ الثالثةِ في هذا المَسارِ يَأتي النِّداءُ «يا أهل الكتاب»، فيَبقى المُخاطَبُ مَعروفاً بصِلتِه بالكِتاب، وهي الصِّفةُ التي يُقاسُ عليها ما يَأتي بعدَ النِّداء. غَيرَ أنّ تَكرارَ النِّداءِ لا يُعيدُ السُّؤالَ نَفسَه، فقد سُئِلوا أوّلاً عن المُحاجّةِ في إبراهيم، ثمّ وُوجِهوا بحَدِّ العِلم، وهُنا يُسألونَ عن تَغطيةِ آياتِ الله. فثَباتُ النِّداءِ مع تَغيُّرِ السُّؤالِ يَجعَلُ صِلتَهم بالكِتابِ مَرجِعاً تُقاسُ عليه الأفعال، لا حُصانةً تَمنَعُ السُّؤال.

«لِمَ تَكْفُرُونَ»: السُّؤالُ يَطلُبُ مَسوِّغَ التَّغطية

و«لِمَ» تَطلُبُ العِلّةَ التي يَقومُ عليها الفِعل، ولا تَكتَفي بالإقرارِ بأنّه حَدَث. والكُفرُ من ك-ف-ر، وأصلُه كَتمٌ يُمسِكُ ما في الدَّاخِلِ ثمّ يَفتَحُ شَقّاً يُفَرِّقُ ويُبعِد، ويَمتَدُّ الحَجبُ في جَريانِه، فالفِعلُ هنا تَغطيةٌ تَفصِلُ المَستورَ عن ظُهورِه. وجاءَ مُضارِعاً جَمعيّاً، فيَعرِضُ الحَرَكةَ وهي تَجري في مَشهدِ الخِطاب، لا اسماً ثابتاً يَلحَقُ بنَسَب، ولذلك يَبقى السؤالُ على الفِعلِ الذي يَحمِلُه المُخاطَبون: ما الذي يُقيمُ تَغطيتَكم ويُسوِّغُها؟

«بِآيَاتِ اللَّهِ»: التَّغطيةُ تَقَعُ على علاماتٍ مُضافةٍ إلى الله

وتُعَيِّنُ الآيةُ مَفعولَ التَّغطيةِ في اللَّفظِ نَفسِه، فالباءُ تَصِلُ الفِعلَ بـ«آيات الله»، والجَمعُ يَمنَعُ حَصرَ المَوضوعِ في علامةٍ مُنفَرِدة. والآيةُ علامةٌ حاضِرةٌ تَنقُلُ النَّظَرَ إلى ما تَدُلُّ عليه، فيَقَعُ الفِعلُ على الدَّلالةِ نَفسِها في كلِّ صورةٍ تَحمِلُها، وإضافتُها إلى الله تَمنَعُ المُخاطَبَ من مِلكِها أو تَحويلِها إلى أَثَرٍ يَستَقِلُّ عن مَصدَرِه. وهكذا يَشتَدُّ السُّؤال: فالتَّغطيةُ واقِعةٌ على علاماتٍ يَحمِلُ اسمُها دَلالتَها وتَحمِلُ الإضافةُ مَرجِعَها، لا على شيءٍ بلا نِسبة.

«وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ»: تَغطيةٌ وشَهادةٌ في زَمَنٍ واحِد

والواوُ تأتي بحالٍ مُقارِنة: تَكفُرونَ «وأنتم تشهدون». والشَّهادةُ من ش-ه-د تَحمِلُ النواةَ المَجَمَّدةَ «انتِشارٌ يَخفُتُ في فَراغ»، ثمّ تُثَبِّتُ ما حَضَرَ تحتَ ضَغطٍ واستِقرار. والفِعلُ مُضارعٌ كما كانَ «تكفرون»، فتَضَعُ الآيةُ الحَرَكَتَينِ في زَمنٍ واحِد: تَغطيةٌ جارِيةٌ وشَهادةٌ جارِية. والتَّركيبُ يَجعَلُ الشَّهادةَ حالاً مُلازِمةً للتَّغطيةِ نَفسِها، فيَصيرُ السُّؤالُ عن كَيفيّةِ اجتماعِ التَّثبيتِ مع الحَجبِ في زَمنٍ واحِدٍ وفي فاعِلٍ واحِد.


حَصيلة

يُبقي النِّداءُ المُخاطَبينَ عندَ صِلتِهم بالكِتاب، ثمّ يَضعُ أمامَهم فِعلاً يُناقِضُ ما يُنتَظَرُ من هذه الصِّلة، وهو تَغطيةُ آياتِ الله. ويَبقى الكُفرُ حَرَكةَ حَجبٍ مُضارِعةً يُسأَلُ عن عِلّتِها ومَوضوعِها، ولا يَتحَوَّلُ إلى اسمٍ عِرقيّ. وتَأتي جُملةُ الحالِ فَتَمنَعُ تفسيرَ التَّغطيةِ بغِيابِ كلِّ شَهادة، والتَّغطيةُ تَقَعُ وهم يَشهَدون. ولذلك تَتركَّزُ حِدّةُ الآيةِ في اجتماعِ فِعلَينِ مُتزامِنَين: علامةٌ تُغطّى، وحالٌ من الشَّهادةِ تُثبِتُ الحُضور.