البقرة · الآية 140

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

أَمْ تَقُولُونَ: «أَم» المُنقَطِعَةُ تَنقُلُ المُحاجَّةَ إلى مَيزانِ الزَّمَن

«أَمْ» في أَمْ تَقُولُونَ مُنقَطِعَة، بِمَعنى «بَل». فَهي انتِقالٌ من نَفيِ المُحاجَّةِ في الآيةِ السابِقَة أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ إلى فَضحِ زَعمٍ أَخَصّ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ. والصيغةُ تَفتَرِضُ أنَّ المُخاطَبَ يَقولُ ذلك ثُمَّ تَستَنكِرُه: «بَلْ أَتَقولونَ هذا القَولَ الذي لا يَستَقيمُ؟». وفي تَشكيلِ الزَّمَنِ داخِلَ الجُملَةِ مَفتاحٌ: الأنبياءُ المَذكورونَ يَعقوبُ ومَن سَبَقَه، أي أَجيالٌ قَبلَ أن تَظهَرَ تَسميَةُ «اليَهود» (المُشتَقَّةُ مِن يَهوذا ابنِ يَعقوب) وقَبلَ أن تَظهَرَ تَسميَةُ «النَّصارى» بِأَلفِ سَنَةٍ أو يَزيد. فَنِسبَتُهُم إلى اسمٍ جاءَ بَعدَهُم مُغالَطَةٌ زَمَنيَّة قَبلَ أن تَكونَ مُغالَطَةً عَقائِديَّة.

كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ: الاسمُ المُتَأَخِّرُ لا يَحتَوي السابِقَ عَلَيه

الأنبياءُ في الآيةِ كانوا «مُسلِمين» بِالمَعنى الذي يَستَعمِلُه القُرآنُ لِلمُسلِم: مَن أَسلَمَ وَجهَه لِلَّهِ وَحدَه، سابِقٌ لِكُلِّ تَسميَةٍ طائِفيَّة. قَالَ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (الآية 131)، ووَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ (الآية 130). وفِعلُ «كَانُوا» ماضٍ تامّ، أي وُجِدوا عَلى حالٍ مَعلومَة قَبلَ أن تُوجَدَ الأَسماءُ المُقترَحَة. ونِسبَةُ الأنبياءِ إلى اسمٍ طائِفيٍّ مُتَأَخِّرٍ تَرجِعُ عَلى الاسمِ نَفسِه: إمّا أن يَكونَ الاسمُ يُغَطّي كُلَّ العُصور (وهذا مَرفوضٌ لأنَّ الطَّوائِفَ وُلِدَت في زَمَنٍ مَعلوم)، أو أن تَكونَ نِسبَتُهُم إلَيه باطِلَةً. لا يَجوزُ أن يَكونَ الاسمُ المُتَأَخِّرُ مُحتَوِياً لِما سَبَقَ نَشأَتَه.

(ع ل م): أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ سُؤالٌ عَن مَصدَرِ المَعرِفَة

السُّؤالُ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تَقريريّ: يَفرِضُ عَلى السامِعِ أن يَعتَرِفَ بِأنَّ اللَّهَ أَعلَم. وقيمَةُ السُّؤالِ أَنَّه يَنقُلُ المِعيارَ مِن مِيدانِ ادِّعاءاتِهِم إلى مِيدانِ الخَبَرِ مِن المَصدَر: إن كُنتُم تَدَّعونَ أنَّ إبراهيمَ يَهودِيّ، فَأينَ نَصُّ اللَّهِ في ذلك؟ والقُرآنُ نَفسُه قَد نَفى ذلك صَراحَةً في سِياقٍ مُوازٍ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً. ففي الآيةِ احتِجاجٌ مُزدَوَج: المَنطِقُ الزَّمَنيُّ يَرُدُّ الدَّعوى، والنَّصُّ الإلهيُّ يَرُدُّها. وبَينَ هذَين الحُجَّتَينِ لا يَبقى لَهُم مُستَنَد.

(ك ت م) + (ش ه د): كَتَمَ شَهَادَةً حَبسُ ما بُنِيَ لِلاتِّساع

الجَذرُ (ك ت م) نَواتُه (ك ت) = إمساكٌ بِضَغطٍ دَقيق، نَفسُ نَواةِ «الكِتاب»، ثُمَّ (م) = تَجَمُّعٌ يُلاصِق. فَالكَتمُ في أَصلِه إمساكٌ مُحكَمٌ يَنغَلِقُ عَلى نَفسِه، بِخِلافِ الكِتابِ الذي يُمسِكُ ثُمَّ يُبرِز. والجَذرُ (ش ه د) نَواتُه (ش ه) = انتِشارٌ في فَضاء، ثُمَّ (د) = احتِباسٌ يَمتَدّ. فَالشَّهادَةُ في أَصلِها ما انتَشَرَ ظاهِراً فَاستَقَرَّ مَنشوراً. وفي قَرنِ الكَلِمَتَينِ في كَتَمَ شَهَادَةً مُفارَقَةٌ بِنيَوِيَّة: مَن كَتَمَ الشَّهادَةَ حَبَسَ ما خُلِقَ لِيَنتَشِر. وقَولُه عِندَهُ مِنَ اللَّهِ يَقطَعُ العُذرَ بِعَدَمِ العِلم: هُم يَعرِفونَها، وهي عِندَهُم، ومَصدَرُها اللَّهُ نَفسُه. ومَع ذلك يَحبِسونَها بِقَصد. فَالكَتمُ ليسَ قُصوراً مَعرِفيّاً، بَل فِعلُ حَبسٍ واعٍ يَعمَلُ ضِدَّ طَبيعَةِ الشَّهادَةِ نَفسِها.

(ظ ل م) + (غ ف ل): أَظْلَمُ غِطاءٌ كَثيفٌ أَمامَ مَن لا يَغفَل

الجَذرُ (ظ ل م) نَواتُه (ظ ل) = ثِقَلٌ يَمتَدّ، ثُمَّ (م) = تَجَمُّعٌ يُلاصِق. فَالظُّلمُ في أَصلِه غِطاءٌ ثَقيلٌ يَتَجَمَّع. وأفعَلُ التَّفضيلِ أَظْلَمُ يَجعَلُ كاتِمَ الشَّهادَةِ في قِمَّةِ هَرَمِ الظالِمين: لا لِأنَّه سَفَكَ دَماً أو سَرَقَ مالاً، بَل لِأنَّه يَنزِعُ الحَقَّ مِن مَكانِه في الفَضاءِ العامّ. ثُمَّ يَختِمُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: الجَذرُ (غ ف ل) نَواتُه (غ ف) = باطِنٌ يَتَفَرَّق، ثُمَّ (ل) = تَعَلُّقٌ يَتَّصِل. فَالغَفلَةُ في أَصلِها تَفَرُّقُ الانتِباهِ حَتّى يَفلِتَ الأَمرُ مِن المُتابَعَة. ونَفيُها عَن اللَّهِ مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ بِالباءِ الزائِدَةِ لِلتَّأكيدِ يَجعَلُ كُلَّ فِعلِ الكَتمِ داخِلَ رَصدٍ تامّ. وخَصَّ عَمَّا تَعْمَلُونَ فِعلَ العَمَلِ لا مُجَرَّدَ القَولِ: الكَتمُ فِعلٌ بِكُلِّ ما لِلفِعلِ مِن أَثَر، يَدخُلُ مُباشَرَةً في مَوازينِ الجَزاء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الظُّلم» في الآيةِ لَيسَ اعتِداءً عَلى جَسَدٍ أو مال، بَل حَبسُ شَهادَةٍ بُنِيَت لِلاتِّساعِ في الفَضاءِ العامّ، والأَنبياءُ وُضِعَت عَلَيهِم أَسماءٌ زَمَنيَّةٌ لاحِقَة، والكَتمُ ظُلمٌ عَلى الزَّمَنِ قَبلَ أن يَكونَ ظُلماً عَلى النَّصّ.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«أَم» المُنقَطِعَةِ من نَفيِ المُحاجَّةِ في الآيةِ السابِقةِ إلى فَضحِ زَعمٍ أخصّ: نِسبَةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويَعقوبَ إلى اليَهوديّةِ أو النَّصرانيّة. وهذه النِسبَةُ مُغالَطَةٌ زَمَنيَّة قَبلَ أن تَكونَ عَقائِديَّة: أسماءُ الطَّوائِفِ جاءَت بَعدَ أصحابِها بِأَجيالٍ وأَلفِ سَنَة. ثمّ يَجيءُ سُؤالٌ تَقريريٌّ من جذرِ (ع-ل-م): «أأنتُم أعلَمُ أمِ الله» يَضَعُ الدَّعوى أمامَ مِيزانِ المَصدَر. ويَصِفُ إخفاءَ الدَّليلِ بِالظُّلمِ من جذرَين مُتَقابِلَين: (ك-ت-م) حَبسٌ مُنغَلِقٌ يُغلَقُ على نَفسِه، و(ش-ه-د) انتِشارٌ في فَضاءٍ يَستَقِرُّ ظاهِراً. مَن كَتَمَ الشَّهادَةَ مارَسَ عَنفاً على طَبيعَةِ الكَلِمَةِ الثانيَة. وأفعَلُ التَفضيلِ «أظلَم» من جذرِ (ظ-ل-م) يَضَعُ هذا الفِعلَ في قِمَّةِ هَرَمِ الخُروجِ عن المَوضِع. وتَختِمُ الآيةُ بِنَفيِ الغَفلَةِ عَن الله: الكَتمُ مُرصودٌ بِتَمامِه، ودَوامُ العَمَلِ لا يَفلِتُ من المُتابَعَة.