البقرة · الآية 23

﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

«إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ» (ر ي ب): القَلَقُ الذي يُزَعزِعُ القَرار

ومَعنى (ر ي ب) غَيرُ الشَّكِّ المُجَرَّد، فالرَّيبُ في العَرَبيّةِ قَلَقٌ يُزَعزِعُ قَرارَ صاحِبِه، لا تَرَدُّدٌ نَظَريٌّ بارِد. قالَ شاعِرُهم: «إذا ارتابَ المَرءُ في أمرٍ لم يَنَم»، فالرَّيبُ يُؤَرِّق. والآيةُ تَقولُ: إنْ كُنتُم حَقّاً في هذه الحالةِ المُؤَرِّقةِ تُجاهَ ما نَزَّلناه فلا تَبقَوا فيها، واقطَعوها بِفِعلٍ يُوازيها. فالرَّيبُ مَنطِقةُ أزمةٍ تَستَوجِبُ فِعلاً يُحَسِّمُها، وليسَ مَنطِقةَ راحةٍ يَستَطيعُ صاحِبُها أن يَسكُنَها.

«مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا»: النَّصُّ كَشَيءٍ يَتَنَزَّل على مَوقِع

و«نَزَّلنا» فِعلٌ مُضَعَّفٌ يَدُلُّ على تَنزيلٍ مُتَواصِلٍ لا دُفعةً واحِدة، أي تَنزيلٍ يَتَتابَعُ ويَتَوَزَّع، تَنزِلُ كُلُّ قِطعةٍ مِنه في مَوقِعِها. و«على عَبدِنا» تَحديدٌ لِلمَوقِع، والعَبدُ من جذرِ (ع ب د)، وهو الدَّورُ الثّابِتُ المُتَّصِلُ بأصلِه، فالنَّصُّ يَنزِلُ على مَن يَحمِلُ دَوراً ثابِتاً، لا على أيِّ شَخص. وأوثِرَتِ الإضافةُ في «عَبدِنا» على «عَبدِه»، وهي تَكشِفُ أنّ هذا المَوقِعَ مِلكُ مَن أنزَل. فالتَّحَدّي في مَعنى: إنْ كانَ نَصُّنا نَصَّ بَشَرٍ فأنتُم بَشَرٌ مِثلُه، فأتوا بِنَظيرِه، وإلّا فليسَ مَصدَرُ النَّصِّ حامِلَه.

«وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ» (ش ه د): استِدعاءُ الحُضور

ومَدارُ (ش ه د) على الحُضورِ الذي يَستَطيعُ الشَّهادة، والشَّهيدُ في العَرَبيّةِ مَن حَضَرَ ورَأى وقَدَرَ على الإخبار، ولا يَقِفُ مَعناه عِندَ مَن ماتَ. والآيةُ تَدعو المُخاطَبينَ إلى استِدعاءِ كُلِّ مَن يَحضُرُ مَعَهُم في هذا الشَّأن، كُلِّ مَن يَقدِرُ على المُعارَضة. والقَيدُ «من دونِ الله» لِيَكونَ الاختِبارُ عادِلاً، فالمَطلوبُ الاستِعانةُ بِالنَّظيرِ من البَشَر، دونَ قُوّةٍ تَدَّعي أنّها فَوقَ البَشَر. فهذه دَعوةٌ مَفتوحةٌ لم تُغلَقْ حتّى اليَوم.

«إن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (ص د ق): اختِبارُ صِدقِ الرَّيبِ ذاتِه

ومادّةُ (ص د ق) تَطابُقُ الباطِنِ مَع الظّاهِر، فالصّادِقُ مَن يَتَطابَقُ فِعلُه مَع قَولِه. والخَتمُ هُنا غَيرُ زينةٍ في الكَلام: إنْ كُنتُم في رَيبٍ صادِقٍ (أي إنْ كانَ قَولُكم بِالرَّيبِ مُطابِقاً لِحالِكم الدّاخِلِيّ) فسَتَفعَلونَ ما يُحَسِّمُ الرَّيب، فإنْ لم تَفعَلوا فالرَّيبُ الذي تُعلِنونَه لم يَكُنْ إلّا إعلانَ رَيب. وبَينَ الحَقيقةِ والإعلانِ فَرقٌ يَكشِفُه الفِعل: الصّادِقُ يُنجِزُ ما تُمليه حالُه، والمُدَّعي يَكتَفي بِالإعلان. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والتَّحَدّي في الآيةِ اختِبارٌ لِصِدقِ المُعلِنِ عن الشَّكّ، زيادةً على الإعجازِ اللُّغَوِيّ.


حَصيلة

يَنبَني التَّحَدّي على شَرطيّةٍ مَفتوحة: «إن كُنتُم في رَيب»، لا على أمرٍ ولا تَهديد. والرَّيبُ (ر-ي-ب) قَلَقٌ يُزَعزِعُ القَرارَ ويُؤَرِّق، وهو غَيرُ التَّرَدُّدِ النَّظَريِّ البارِد، والرَّيبُ الحَقيقيُّ يَستَوجِبُ فِعلاً يُحَسِّمُه، لا إعلاناً مُريحاً. ثُمَّ تأتي شُروطُ الاختِبارِ مَفتوحةً ومُنصِفة: سورةٌ واحِدةٌ لا كُلُّ الكِتاب، وشُهَداؤُكُم (ش-ه-د: الحُضورُ القادِرُ على الشَّهادة) أنتُم تَختارونَهم، ومِن دونِ اللهِ أي من قُوّةٍ بَشَريّةٍ خالِصة، والاختِبارُ مَيدانٌ مُتَكافِئ. والنَّصُّ يُنَزَّلُ على «عَبدِنا»، والعَبدُ (ع-ب-د) مَن يَثبُتُ في دَورٍ مُتَّصِلٍ بأصلِه، فالكِتابُ نَزَلَ على مَوقِعٍ ثابِتٍ لا على أيِّ شَخص، ومَنِ ادَّعى أنّه نَصُّ بَشَرٍ فالبَشَرُ أمامَه. وخاتِمةُ الآيةِ «إن كُنتُم صادِقين» (ص-د-ق: تَطابُقُ الباطِنِ مع الظَّاهِر) تَقلِبُ المَيدان، فالمَسألةُ هل رَيبُكُمُ الذي أعلَنتُموه حَقيقيّ، وليسَت مَن يَفوزُ في النِّقاش؛ فإن كانَ حَقيقيّاً فَعَلتُم، وإن لم تَفعَلوا فالرَّيبُ المُعلَنُ لم يَكُن رَيباً.