البروج · الآية 3

﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ

«شاهد»: حضورٌ ينتهي إلى إقرار

والشاهدُ غيرُ المُتفرّج، ففي الكلمةِ حضورٌ ومسؤولية، ومَن شهدَ كان في موضعٍ يسمحُ له أن يَرى أو يَعلمَ عن قرب، ثمّ يحملَ ذلك الحضورَ إلى قولٍ أو إثبات. ولذلك لا تكون الشهادةُ زخرفةً للمعرفة، فهي معرفةٌ خرجت من الداخل إلى العلن.

والتنكيرُ في «شاهدٍ» يُوسّعُ الدائرة، فالآيةُ لا تُغلقُ الشاهدَ في اسمٍ واحد، وتتركُه مفتوحاً، وكلُّ مَن قامَ بالحضورِ الحقّ داخلٌ في جهةِ الشاهد: السماءُ تَشهد بعلاماتها، واليومُ يَشهد بوعده، واللسانُ يَشهد حين لا يَكتمُ ما حضر.

«مشهود»: الشيءُ حين يصيرُ مَحضَراً

و«مشهود» اسمُ مفعول، أي شيءٌ وُضِعَ في مَجالِ الشهادة، فلا هو خافٍ ولا متروكٌ بلا أثر، والمشهودُ هو الواقعُ حين يُرفعُ من كونه حدثاً عابراً إلى كونه حاضراً في سجلّ الإقرار.

وهذا مهمٌّ لما سيأتي بعده، فالسورةُ ستذكرُ فعلاً شديداً، وناراً، وقعوداً، وشهوداً على ما يُفعل، وهي قبل ذلك تضعُ قاعدةً أعلى، وهي أنّ في الوجود شاهداً ومشهوداً، وأنّ الفعلَ لا يَمرّ بلا عين.

الإيقاعُ المزدوج

والآيةُ كلمتان على وزنٍ متقابل، فاعلٍ ومفعول: شاهد ومشهود، والفاعلُ حاضرٌ بما يَحمل، والمفعولُ حاضرٌ بما وقعَ عليه، وبينهما تقومُ الشهادة: لا حضورَ بلا موضوع، ولا حدثَ بلا قابليةٍ لأن يُشهَد.

وفي ثلاث آياتٍ فقط بنت السورةُ مسرحَها كله: عُلوٌّ ذو بروج، ويومٌ مربوطٌ بوعد، وشهادةٌ تُمسكُ ما بينهما، وبعد هذا الافتتاح لا يستطيعُ الفعلُ أن يختبئ.


حَصيلة

يُتِمُّ القَسَمُ الثالثُ مثلّثَ الافتتاح الذي بدأَت به السورة، فبعد السماءِ ذاتِ البُروج وبعدَ اليومِ الموعود تأتي هذه الآيةُ بعلاقةٍ مُزدوجة: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. والجذرُ -ش-ه-د- يَعني حضوراً نافذاً يَنتهي إلى إثبات، لا معرفةً من بعيد. و«شاهد» اسمُ فاعلٍ للحاضر الذي يحملُ ما رأى حتى يُقِرَّ به، و«مشهود» اسمُ مفعولٍ للواقعِ الذي صارَ في مجالِ هذا الحضور ولم يعدْ يَملكُ الاختفاء. والآيةُ لم تُغلق الشاهدَ في اسمٍ معيّن، وجاءَ نكرةً تُوسِّعُ دائرتَه، فكلُّ حضورٍ حقٍّ يدخلُ في جهةِ الشاهد. والإيقاعُ النحويُّ مُتقابل، فاعلٌ ومفعول، وحضورٌ وموضوع، فلا حضورَ بلا شيءٍ يُشهَد عليه، ولا فعلَ في هذا الكون يَفلتُ من مجالِ الإثبات. وبهذا يَكتملُ البناءُ: مكانٌ معلَّمٌ بعلامات، وزمنٌ موثوقٌ بوعد، وشهادةٌ تَمسكُ ما بينهما.