البقرة · الآية 124

﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ

(ب ل و): الابتلاءُ إخراجُ ما في الباطن

جذرُ (ب ل و) يقومُ على نواةِ (ب ل) التي تدلُّ على بروزٍ يُظهِرُ ما يَتعلَّقُ، ثمّ يَشتَمِلُ عليه بالواوِ. فالابتلاءُ ليس عقوبةً ولا انتقاماً، وإنّما هو آليّةُ كشفٍ يُخرِجُ ما في الباطنِ إلى ظاهرِ السلوك. والكلماتُ في قولهِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ هي المَشاهِدُ والأحداثُ الّتي تضَعُ العبدَ في موضِعِ الاختيارِ فتُظهِرُ معدِنَه. فكلُّ حدثٍ كلمةٌ من كلماتِ الله، وكلُّ كلمةٍ موضِعُ اختبار.

فَأَتَمَّهُنَّ: الإتمامُ شرطُ التحويل

فَأَتَمَّهُنَّ ليست قبولاً ولا رِضًى فحسب، بل دلالةٌ على أنّ إبراهيمَ واجَهَ كلَّ كلمةٍ فاستوفاها بشرطِها. والفاءُ هنا فاءُ الترتيبِ والسببيّة: الابتلاءُ أوّلاً، والإتمامُ ثانياً، ثمّ يأتي الجعلُ. والآيةُ لا تُسَمّي تلك الكلماتِ ولا تَعُدُّها، فما نطقَ به النصُّ يُقدَّمُ على ما استُنبِطَ حولَه: «كَلِمات» قَضايا مَوكولَةٌ، و«أتَمَّهُنَّ» إيفاءٌ كامل.

«جَعَلَ» تحويلٌ بعد الإتمامِ لا خلقٌ من فراغ

«الجعلُ» في القرآنِ يُفارِقُ «الخلقَ»: الخلقُ إيجادٌ من عدم، والجعلُ تحويلُ موجودٍ وتخصيصُه لوظيفةٍ جديدة. فقولُه إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُثبِتُ أنّ الإمامةَ مَنصِبٌ مُضافٌ لا صفةٌ جِبِلّيّة، وأنّها ثَمَرةٌ جاءت بعد الابتلاءِ والإتمام. فإبراهيمُ لم يُولَد إماماً، وإنّما صارَ إماماً لَمّا استوفى الكلمات. والجَعلُ يَقَعُ موقعَ التكريمِ بعد الاستحقاق، لا موقعَ المَنحةِ الابتدائيّة.

(أ م م): الإمامةُ مَركزُ تَجمُّعٍ لا سُلطانٌ سياسيّ

جذرُ (أ م م) نواتُه (أم) تؤكّدُ التَجَمُّعَ والقصدَ، وتَكرارُ الميمِ يُضاعِفُ ذلك. فالإمامُ حرفيّاً هو مَن يَتأكّدُ تَجَمُّعُ الآخرينَ حولَه فيُقتدى به. والقرآنُ يُفرِّقُ بدقّةٍ بين ألفاظِه الوظيفيّة: الملكُ يُذكَرُ بلفظِ الملكِ، والحكمُ بلفظِ الحكم، والإمامةُ وحدَها مقامٌ دينيٌّ لا سياسيّ. فإبراهيمُ جُعِلَ مقدَّماً في القراءةِ والفهمِ والقُربِ من الله، لا سلطاناً على الرقاب. ومَن خَلَطَ بين الإمامةِ والحكمِ فقد غابَ عنه هذا التفريقُ القرآنيّ، وحَمَلَ على الإمامةِ ما ليس فيها.

لِلنَّاسِ: الأمّةُ المُستأنِسةُ لا عمومُ العالَمين

«الناسُ» مأخوذٌ من (أ ن س) كما بيّنتُ في غيرِ موضعٍ، فهو يَدُلُّ على الحَضارةِ المُستأنِسة، لا على كلِّ كائنٍ بشريٍّ أينما كان. فإبراهيمُ جُعِلَ إماماً للأمّةِ المُتشاكِلةِ في محورِ الوحيِ السامِيّ، ومن دخَلَ في مِلّتِه من لاحِقٍ أو سابِق. و«الناسُ» بهذا المعنى أخصُّ من «العالَمين». فالمقامُ الإبراهيميُّ ليس مقامَ قوميّةٍ ولا قَبيلة، وإنّما هو مرجعٌ لأمّةٍ تُقاسُ بالمنهجِ لا بالنَّسَب. وهذا هو السرُّ في لِلنَّاسِ لا لِقَومِه: إمامةٌ مَفتوحةٌ على كلِّ مَن سَلَكَ الطَّريق.

وَمِنْ ذُرِّيَّتِي / لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ: شرطُ الاستحقاقِ يقطَعُ خطَّ النَّسَب

قولُ إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي لم يَكُن دعاءً بعمومِ الذرّيّة، ولذلك قال «مِن» لا «كلّ». فهو سؤالُ استطلاعٍ مُتحفِّظ، يُقِرُّ سَلَفاً بأنّ الوِراثةَ ليست حتميّة. والجوابُ الإلهيُّ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ يُثبِّتُ القاعدة: العهدُ لا يَنتقِلُ بالدم، بل يَمتنِعُ عَمَّن خَرَجَ من شَرطِه. والظلمُ من جذر (ظ ل م) = وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، فمن أخَلَّ بالمَوضِع خَرَجَ من الاستحقاق وإن كان من صُلبِ إبراهيم. والذُرّيّةُ الصالحةُ هي التي يَستَمِرُّ فيها العهدُ لا كلُّ من حَمَلَ الاسم. فالوِراثةُ الدينيّةُ في القرآنِ مَشروطةٌ بالسلوكِ لا بالاسم.

إبراهيمُ مرجعُ الأمّاتِ الثلاث: غَلقُ النزاعِ بإرجاعِه إلى الأصل

الآيةُ تأتي بعد المَشهدِ الطويلِ مع أهلِ الكتابِ ومساجلاتِهم، فيُعيدُ القرآنُ الحوارَ إلى الجذرِ المُشترك: إبراهيم. لأنّ اليهودَ والنصارى ومن تَبِعَهم يَنتسِبونَ إليه، فإذا ثَبَتَ أنّه إمامٌ بالإتمامِ لا بالدم، بَطَلَ احتكارُ الطائفةِ للخلافة. فالمِلّةُ الإبراهيميّةُ ليست عَلَماً على فِرقةٍ بعينها، وإنّما هي منهجُ استمرارٍ على الطريق: من أتمَّ الكلماتِ كما أتمَّها إبراهيم فهو في عَهدِه، ومن ظَلَم فليس منه وإن حَمَلَ اسمَه. وهذا هو الذي يَفُكُّ عُقَدَ الآياتِ السابقةِ في قضيّةِ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى: المَرجِعُ أَعلى من طائفتيهِما معاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الإمامةُ» في الآيةِ ليست لقباً وراثيّاً ولا مَنصِباً سياسيّاً، وإنّما هي وظيفةُ تَقَدُّمٍ في القراءةِ والفهمِ والقُربِ تَثبُتُ بإتمامِ الكلماتِ وتنقَطِعُ بالظلم. فمَن أَتَمَّ وَرِثَها، ومَن ظَلَمَ سقَطَ عنه اسمُها.


حَصيلة

الابتلاءُ من ب-ل-و ليسَ عُقوبَةً بَل آليَّةَ كَشفٍ: يُخرِجُ ما في باطِنِ العَبدِ إلى ظاهِرِ السُّلوك، و«الكَلِمات» قَضايا مَوكولَةٌ تَضَعُ صاحِبَها في موضِعِ الاختِيار. وإبراهيمُ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: استوفى كُلَّ كَلِمَةٍ بِشَرطِها حتّى لا تَبقى ثَغرَة، فجاءَ ج-ع-ل الإلهيُّ مُرَتَّباً على الإتمامِ لا سابِقاً له. الجَعلُ في القُرآنِ تَحويلُ مَوجودٍ لِوَظيفَةٍ جَديدَة، لا خَلقٌ من عَدَم: إبراهيمُ لَم يُولَد إماماً وإنَّما صارَ إماماً لَمّا أَتَمَّ. والإمامَةُ من أ-م-م مَركَزُ تَجَمُّعٍ لا سُلطانٌ سياسيّ؛ القُرآنُ يُفَرِّقُ بِدِقَّةٍ بَينَ المُلكِ والحُكمِ والإمامَة. ثُمَّ سَأَلَ إبراهيمُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ بـ«مِن» لا بـ«كُلّ»، إقراراً مُسبَقاً بِأنَّ الوِراثَةَ ليسَت حَتميَّة. والجَوابُ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: الظُّلمُ من ظ-ل-م وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ موضِعِه، فمَن أَخَلَّ بِالمَوضِعِ سَقَطَ عَنهُ العَهدُ وإن كانَ من صُلبِ إبراهيم. والآيَةُ تَأتي بَعدَ المُساجَلاتِ الطَّويلَةِ مَعَ أَهلِ الكِتاب، فتَرُدُّ الحِوارَ إلى الجَذرِ المُشتَرَك: ما دامَ الإمامُ يَصيرُ إماماً بِالإتمامِ لا بِالدَّم، بَطَلَ احتِكارُ أيِّ طائِفَةٍ لِلإرثِ الإبراهيمي، ولَم يَبقَ مَعيارٌ إلّا الاستِمرارُ على الطَّريق.