البقرة · الآية 150

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

(ك و ن): حَيْثُ مَا كُنتُم يُغلِقُ ما تَرَكَه مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مَفتوحاً

الجَذرُ (ك و ن) نَواتُه (ك و) = إمساكٌ يَحتَوي، ثُمَّ (ن) تَنفيذٌ يَمتَدّ، فالكَينونةُ حالةُ استِقرارٍ يَحتَوي صاحِبَه ويَمتَدُّ في الزَّمَن. وقد جاءَ الأمرُ في 149 بِالخُروج، وهو جَذرٌ دَلالَتُه الحَرَكةُ والانفِلاتُ من الباطِنِ إلى الظّاهِر، ثُمَّ جاءَ في 150 بِالكَينونة، وهو جَذرٌ دَلالَتُه الاستِقرارُ في الحَيِّز. والآيَتانِ مَعاً تُكَمِّلانِ البِناء، ولا يوجَدُ حالٌ يَنجو بِه المُكَلَّفُ من التَّوَجُّه، فهو يُوَلّي في الخُروجِ ويُوَلّي في المُقام. وزيدَ التَّأكيدُ في 150 بِصيغةِ الجَمعِ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ بَعدَ المُفرَدِ في 149 فَوَلِّ وَجْهَكَ، فالأمرُ يَشمَلُ المُخاطَبَ المُفرَدَ والجَماعةَ جَميعاً، وطَورُ الكَينونةِ أوسَعُ من طَورِ الخُروج، فناسَبَه الجَمع.

(ح ج ج): لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ مَيدانٌ سِياسيٌّ لا مَعرِفيّ

والحُجّةُ هنا القَصدُ الخالِصُ الذي يَبرُزُ بِإلحاح، وليسَت الدَّليلَ المَنطِقيَّ الذي تَسقُطُ أمامَه النَّظَريّات. ونَواةُ (ح ج) = قَصدٌ خالِصٌ يَبرُز، والجيمُ المُكَرَّرةُ تُضاعِفُ البُروز. فالآيةُ تَنزِعُ من خُصومِ الأُمّةِ ذَريعةَ الاحتِجاج، ولا يَستَطيعُ مُحتَجٌّ أن يَقولَ «أنتُم تابِعونَ لَنا على قِبلَتِنا»، لأنّ الوِجهةَ الجَديدةَ لا تُؤَشِّرُ إلى أيِّ مَركَزٍ مُنافِسٍ من مَراكِزِ الأحزابِ الكِتابيّة. والشَّطرُ هنا يَعمَلُ بِما لَيسَ هو قَبلَ أن يَعمَلَ بِما هو، أي أنّه لا قِبلةُ قَومٍ آخَرين، ولا جِهةٌ يَحتَجُّ بِها مُحتَجّ، ولا مَحفِلٌ تابِع. وهذا يَكشِفُ أنّ وَظيفةَ الشَّعيرةِ حِفظُ مَسافةِ التَّمَيُّزِ في الفَضاءِ المَدَنيّ، زيادةً على وَظيفَتِها المَعرِفيّة.

(ظ ل م): الاستِثناءُ في إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا يَعتَرِفُ بِتَعَدُّدِ القِبَل

والاستِثناءُ بِـ«إلّا» يَفرِضُ قِراءةً دَقيقة: النَّصُّ يَعتَرِفُ ضِمناً بِأنّ الأصلَ في النّاسِ أن يَعيشوا تَعَدُّدَ القِبَلِ دونَ مُحاجّة، ثُمَّ يَستَثني من ذلك الأصلِ الطّائفةَ الظّالِمةَ التي تَرفُضُ التَّعَدُّد. وجَذرُ (ظ ل م) نَواتُه (ظ ل) = بُروزٌ يَتَعَلَّقُ فيُغَطّي، ثُمَّ (م) تَجَمُّعٌ يُلاصِق، فالظُّلمُ طَبَقةٌ بارِزةٌ تَلتَصِقُ فَوقَ غَيرِها فتَحجُبُه، ومنه ظُلمُ العَلاقاتِ البَينيّةِ حينَ يَفرِضُ فَريقٌ على الآخَرِ أن يَتبَعَه. فالآيةُ تَرسُمُ حَقلاً مَدَنيّاً مَفتوحاً: لِأهلِ الكِتابِ قِبلَتُهُم، ولِلمُسلِمينَ شَطرُهُم، والظُّلمُ وَحدَه رَفضُ أن يَكونَ لِلآخَرِ شَطر. وهذا يَقلِبُ مَعنى الاستِثناءِ المَعهود: المُستَثنَونَ كُلُّ مَن أرادَ إقامةَ المُحاجّةِ بِنَفيِ حَقِّ الغَيرِ في وِجهَتِه، وليسوا «الكُفّارَ» بِإطلاق.

(خ ش ي): فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي إعادَةُ تَوجيهِ الانفِعالِ الأصليّ

والخَشيةُ شُعورٌ مُرَكَّب، هو خَوفٌ تَتَلَبَّسُه مَعرِفةٌ بِعَظَمةِ المَخشيّ. وجَذرُ (خ ش ي) فيه الـخ اختِراق، والـش انتِشارٌ مُتَفَرِّع، والياءُ امتِدادٌ إلى غاية، فالخَشيةُ اختِراقٌ يَتَفَرَّعُ في النَّفسِ ويَمتَدُّ إلى أُفُق. ولَمّا كانَت شَعيرةُ القِبلةِ تَنزِعُ ذَريعةَ الاحتِجاج، بَقِيَ أمامَ الأُمّةِ خَطَرٌ نَفسيٌّ لا مَنطِقيّ، هو خَشيةُ بَقايا الظّالِمينَ من أصحابِ القِبَلِ الأُخرى. فنَهى النَّصُّ عن أن تَتَوَجَّهَ هذه الخَشيةُ إلى البَشَرِ في فَلَا تَخْشَوْهُمْ، وحَوَّلَها إلى الرَّبِّ في وَاخْشَوْنِي. والأمرُ بِالخَشيةِ هنا إعادةُ تَوجيه، وليسَ إنشاءً لِمَوقِفٍ مَرهوب: ما كانَ مُنصَرِفاً إلى المُحتَجّينَ يُستَرَدُّ إلى صاحِبِ الحَقِّ الأصليّ، ووَحدةُ الوِجهةِ تَستَلزِمُ وَحدةَ الخَشية.

(ن ع م) + (هـ د ي): إتمامُ النِّعمَةِ واحتِمالُ الاهتِداءِ بِنيَتانِ مُختَلِفَتان

واللّامُ في وَلِأُتِمَّ لامُ التَّعليل، مَعطوفةٌ على تَعليلٍ مَحذوفٍ قَبلَها، والتَّقدير: وَلَّيناكَ لِيَنقَطِعَ احتِجاجُ المُحتَجّ، ولأُتِمّ. فالشَّعيرةُ مُحَصِّلاتٌ مُتَضافِرة، وليسَت مُحَصِّلةً واحِدة، وإتمامُ النِّعمةِ جُزءٌ مِنها لا بَدَل. وجَذرُ (ن ع م) نَواتُه (ن ع) = نَفاذٌ يَظهَرُ من العُمق، ثُمَّ (م) تَجَمُّعٌ يُلاصِق، فالنِّعمةُ ما نَفَذَ إلى الباطِنِ وأزهَرَ ثُمَّ تَجَمَّعَ واستَقَرّ، وإتمامُها إغلاقُ الثَّغَراتِ التي كانَ العَطاءُ يَنفُذُ مِنها بِلا استِقرار. ثُمَّ خُتِمَت بِـ«لَعَلَّ» لِلتَّرَجّي: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. والاهتِداءُ يَبقى احتِمالاً مَفتوحاً مَشروطاً بِسُلوكِ المُكَلَّف، ولا يَتَرَتَّبُ عِلّيّاً على التَّوليَة. فالقِبلةُ تَصنَعُ الإطار، والإطارُ يَصنَعُ فُرصةَ الاهتِداء، ويَبقى الاهتِداءُ فِعلَ سالِكٍ لا حَتميّةَ مَوقِع.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، وشَطرُ المَسجِدِ الحَرامِ يُمارَسُ في طَورَيِ الخُروجِ والكَينونة، ويَنزِعُ حُجّةَ المُحتَجّ، ويَعتَرِفُ بِتَعَدُّدِ القِبَلِ ما لم يَتَلَبَّسْ بِظُلم، ويَستَرِدُّ الخَشيةَ إلى الرَّبِّ وَحدَه. فالمُصطَلَحُ «قِبلة» لا يَستَقِرُّ إلّا بَعدَ هذا التَّفكيكِ الكامِلِ لِلسِّياسةِ والنَّفسِ والشَّعيرة.


حَصيلة

تُغلِقُ هذه الآيةُ ما تَرَكَه مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ في 149 مَفتوحاً: جَذرُ (ك-و-ن) في وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ يَدُلُّ على الاستِقرارِ والكَينونةِ الثّابِتة، فلا يَبقى طَورٌ من أطوارِ الوُجودِ خارِجَ الأمر. وزيدَ التَّعميمُ بِالجَمعِ في فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ بَعدَ المُفرَدِ في 149 لأنّ طَورَ الكَينونةِ أوسَع. ثُمَّ تَفتَحُ الآيةُ خَمسَ طَبَقاتٍ في جُملةٍ واحِدة: نَزعُ ذَريعةِ الاحتِجاجِ بِالشَّطرِ الذي لا يُشيرُ إلى مَركَزٍ مُنافِسٍ لِأحَد؛ ثُمَّ استِثناءُ الظّالِمِ الذي يَرفُضُ التَّعَدُّد، و(ظ-ل-م) وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه؛ ثُمَّ إعادةُ تَوجيهِ الخَشيةِ من البَشَرِ إلى الرَّبِّ لأنّ (خ-ش-ي) اختِراقٌ يَتَفَرَّعُ في النَّفسِ يَستَحِقُّ مَصدَراً واحِداً؛ ثُمَّ لامُ التَّعليلِ في وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ تُدرِجُ القِبلةَ في إتمامٍ أكبَر، فالنِّعمةُ ما نَفَذَ إلى الباطِنِ وأزهَرَ واستَقَرّ، وإتمامُها إغلاقُ الثَّغَرات؛ وأخيراً تَرَجّي الاهتِداءِ في وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يَجعَلُ الاهتِداءَ احتِمالاً مَفتوحاً مَشروطاً بِالسّالِكِ لا حَتميّةَ مَوقِع.