الذَّنب
**ما نَفَذَ من صاحِبِه فتَعَلَّقَ بِه يَتبَعُه**. لَيسَ الذَّنبُ اسماً لِلفِعلِ السَّيِّئِ في نَفسِه، بَل لِما يَجُرُّه ذلك الفِعلُ وراءَه. ولِذلك سُمِّيَ **الذَّنَبُ** من الدّابّةِ بِهذا الجَذر: ما تَبِعَ الجِسمَ ولَحِقَ بِآخِرِه، ولا تَنفَكُّ عنه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ذ: طَرَفُ اللِّسانِ يَبرُزُ فيُماسُّ الأسنانَ مُماسّةً رَخوة، ويَجري
النَّفَسُ في مَضيقِها جَرياناً مُتَّصِلاً نافِذاً ثُمَّ يَستَرسِل. شِحنَتُه: نَفاذٌ حادٌّ مُتَّصِلٌ يَستَرسِل.
- ن: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ ويُنفِذُه
من مَنفَذٍ ضَيِّق. شِحنَتُه: احتِواءٌ جَوفيٌّ مَعَ نَفاذٍ يَنبَعِثُ إلى الخارِج.
- ب: انطِباقُ الشَّفَتَينِ يَحبِسُ ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه بِرَخاوةٍ
وتَشَبُّث. شِحنَتُه: التِصاقٌ وتَشَبُّثٌ بَعدَ حَبس.
النَّواةُ ذَن (ذ + ن) = نَفاذٌ مُتَّصِلٌ يُحتَوى في مَضيق: خَرَجَ من مَوضِعِه ولم يَنفَصِلْ عنه. والإغلاقُ بِـب يُلصِقُ هذا النّافِذَ ويُثَبِّتُه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما نَفَذَ من أصلِه فبَقِيَ مُتَعَلِّقاً بِه يَتبَعُه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الذَّنَب: ما تَبِعَ الجِسمَ في آخِرِه، وهو أصلُ الصّورة: خارِجٌ عن
البَدَنِ ولَيسَ مُنفَصِلاً عنه.
- أذنابُ القَوم: مَن تَبِعَهُم فلَحِقَ بِآخِرِهِم.
- الذَّنوب: الدَّلوُ العَظيمةُ لَها ذَنَب، ومنه «إنَّ لَهُم ذَنوباً
مِثلَ ذَنوبِ أصحابِهِم» أي نَصيباً يَلحَقُهُم.
- ذَنَبَ الرَّجُلُ: تَبِعَه، ومنه استَذنَبَ إذا صارَ ذَنَباً.
- الذَّنب في الشَّرع: ما جَرَّه الفِعلُ على صاحِبِه فلَزِمَه.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ذ-ن-ب: لاحِقٌ لا يَنفَكّ. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: الذَّنبُ لا يُذكَرُ في المُسَجَّلِ إلّا ومَعَه ما يَفصِلُه عن صاحِبِه أو ما يُلصِقُه بِه أو ما يُحيطُ بِه عِلماً. فسِتّةٌ من ثَمانيةِ مَواضِعَ في المُصحَفِ المَنشورِ فيها لَفظُ الغُفران، والغَفرُ في أصلِه السَّترُ والتَّغطِيَة: لا يُقالُ في الذَّنبِ إنَّه يُمحى بَل إنَّه يُغطّى، لِأنَّ ما لَحِقَ لا يُنزَع. والمَوضِعانِ الخارِجانِ عن الغُفرانِ (٩١:١٤ و١٧:١٧) لا يَخرُجانِ عن الشِّحنة: في الأوَّلِ يُقادُ القَومُ بِما لَحِقَهُم، وفي الثّاني يُوصَفُ الرَّبُّ بِأنَّه بِما لَحِقَ عِبادَه خَبيرٌ بَصير.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- ذُنوبَنا / ذُنوبَكُم / ذُنوبِهِم (الجَمعُ مُضافاً): الصّيغةُ
الغالِبةُ بِلا مُنازِع، وهي في المُسَجَّلِ في سِياقِ الغُفرانِ في مَواضِعِها كُلِّها إلّا واحِداً (١٧:١٧ «بِذُنُوبِ عِبَادِهِ»، وهو مُضافٌ إلى العِبادِ لا إلى مُتَكَلِّمٍ يَستَغفِر). فالجَمعُ مُلازِمٌ لِطَلَبِ السَّترِ حَيثُ كانَ الطّالِبُ هو صاحِبَ الذَّنب.
- الذُّنوب (الجَمعُ مُعَرَّفاً): مَوضِعٌ واحِد، وفيه يُنفى أن
يَغفِرَها غَيرُ الله، فيُنظَرُ إليها في نَفسِها لا مُضافةً إلى قَوم.
- بِذَنبِهِم (المُفرَدُ مُضافاً مَجروراً بِالباء): مَوضِعٌ واحِد،
وفيه يُؤخَذُ قَومٌ بِذَنبٍ واحِد.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الجَمعُ يُلازِمُ الغُفرانَ والمُفرَدُ يُلازِمُ
الأخذ. وهذا مُوافِقٌ لِلشِّحنة: ما تَعَدَّدَ من اللَّواحِقِ يُسأَلُ
سَترُه، وما اجتَمَعَ منها في فِعلٍ واحِدٍ يُؤخَذُ بِه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
- السَّيِّئة (س-و-أ): ما ساءَ من الفِعلِ في نَفسِه. والفَرقُ
بِنيَويّ: السَّيِّئةُ وَصفٌ لِلفِعل، والذَّنبُ اسمٌ لِما لَحِقَ بِفاعِلِه. وقد اجتَمَعا في ٣:١٩٣ فطُلِبَ لِلأوَّلِ الغُفران (وهو السَّتر) ولِلثّاني التَّكفير (وهو التَّغطِيَةُ حتّى تَذهَبَ)، فجُعِلَ لِكُلٍّ ما يُناسِبُ بِنيَتَه.
dhulm(الظُّلم، ظ-ل-م): وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه. وهو
وَصفٌ لِلفِعلِ من جِهَةِ المَوضِع، والذَّنبُ من جِهَةِ اللُّحوق. وقد ذُكِرا في ٣:١٣٥ مَعاً: «أو ظَلَموا أنفُسَهُم» ثُمَّ «فاستَغفَروا لِذُنوبِهِم».
- الإسراف (س-ر-ف): مُجاوَزةُ الحَدّ. وقد عُطِفَ على الذَّنبِ في
٣:١٤٧، فذُكِرَ اللّاحِقُ والمُجاوِزُ في طَلَبٍ واحِد.
- الفاحِشة (ف-ح-ش): ما قَبُحَ واشتَدَّ قُبحُه. ذُكِرَت في ٣:١٣٥
قَبلَ الذَّنبِ في التَّرتيب، فجُعِلَت من الفِعلِ والذَّنبُ من أثَرِه.
المَواضع: مَواقعُ الذَّنب في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١١ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ في الأخذِ لا في الغُفران، ومَجرورةً بِالباءِ فتَصيرُ آلةَ الأخذِ أو سَبَبَه: أُخِذوا بِها، أي بِما لَحِقَ بِهِم. فيَنكَشِفُ من المَوضِعِ الأوَّلِ أنَّ الذَّنبَ مُمسَكٌ يُقادُ بِه صاحِبُه. ومَوقِعُها بَعدَ ذِكرِ آلِ فِرعَونَ ومَن قَبلَهُم يُقَدِّمُ لِلمَفهومِ شاهِداً واقِعاً قَبلَ أن يُطلَبَ لَه سَتر. انظُر الشِّدّة / الشَّديد.
- ٣:١٦ ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: أوَّلُ طَلَبٍ لِلغُفران. الجَديدُ: يُقَدَّمُ إقرارُ الإيمانِ على طَلَبِ السَّتر، وتَدخُلُ الفاءُ فتُرَتِّبُ الطَّلَبَ عليه: لا يُطلَبُ سَترُ اللّاحِقِ إلّا مِمَّن أقَرَّ. ويُعطَفُ عليه طَلَبُ الوِقايةِ من النّار، فيُفَرَّقُ بَينَ سَترِ ما لَحِقَ ودَفعِ ما يَأتي. انظُر الغُفران.
- ٣:٣١ ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: الغُفرانُ ثَمَرةَ اتِّباع. الجَديدُ: يُجعَلُ سَترُ الذَّنبِ جَزاءَ شَرطٍ عَمَليٍّ لا جَوابَ دُعاء، ويُقَدَّمُ عليه المَحَبّة: يُحِبُّ ثُمَّ يَغفِر. فيُقرَأُ التَّرتيبُ على أنَّ اللّاحِقَ يُغَطّى بَعدَ أن يُقبَلَ صاحِبُه، لا لِيُقبَل. انظُر الحُبّ.
- ٣:١٣٥ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: الحَصرُ في الغافِر. الجَديدُ: تَرِدُ الكَلِمةُ مَرَّتَينِ في آيةٍ واحِدة، مُضافةً ثُمَّ مُعَرَّفة، ويُنفى في الثّانيَةِ أن يَغفِرَها أحَدٌ سِواه. فيَنكَشِفُ أنَّ ما لَحِقَ بِالإنسانِ لا يَنزِعُه هو ولا غَيرُه من الخَلق. ويُتبَعُ بِـ«ولم يُصِرّوا على ما فَعَلوا وهُم يَعلَمون»، فيُشتَرَطُ لِلسَّترِ تَركُ الإصرار: لا يُغَطّى اللّاحِقُ ومَصدَرُه مَفتوح. انظُر التَّوبة.
- ٣:١٤٧ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾: الذَّنبُ مَقروناً بِالإسراف. الجَديدُ: يُعطَفُ على الذَّنبِ ما يُجاوِزُ الحَدَّ في الأمر، فيُطلَبُ السَّترُ لِلّاحِقِ ولِلمُجاوِزِ مَعاً. ويَقَعُ الطَّلَبُ في قَولِ الرِّبِّيّينَ الذينَ قاتَلوا ولم يَهِنوا، فيُقرَأُ الاستِغفارُ مَقروناً بِالثَّباتِ لا بِالانكِسارِ وَحدَه. ويَليه «وثَبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا»، فيُجعَلُ سَترُ اللّاحِقِ أوَّلَ ما يُطلَبُ قَبلَ التَّثبيتِ والنَّصر. انظُر الصَّبر.
- ٣:١٩٣ ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: طَلَبانِ مُختَلِفانِ لِشَيئَينِ مُختَلِفَين. الجَديدُ: يُقابَلُ الذَّنبُ بِالسَّيِّئةِ ويُطلَبُ لِكُلٍّ فِعلٌ يَخُصُّه: الغُفرانُ لِلأوَّلِ والتَّكفيرُ لِلثّاني، والحَرفُ يَختَلِفُ («لَنا» و«عَنّا»). فيُقرَأُ الذَّنبُ لاحِقاً يُسأَلُ سَترُه لِصاحِبِه، والسَّيِّئةُ فِعلاً يُسأَلُ إبعادُه عنه. وهو أدَقُّ مَوضِعٍ يُفَرِّقُ بَينَ اللَّفظَين.
- ١٧:١٧ ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: اللّاحِقُ في مَوقِعِ المَعلومِ لا المَغفورِ ولا المَأخوذِ بِه. الجَديدُ: يُضافُ الجَمعُ إلى «عِبادِه» لا إلى مُتَكَلِّمٍ يَطلُبُ السَّتر، فيَخرُجُ اللَّفظُ لِأوَّلِ مَرّةٍ من فَمِ صاحِبِ الذَّنبِ إلى الإخبارِ عنه من فَوقِه. والخَبَرُ وَصفانِ لِلرَّبِّ لا حُكمٌ على العِباد: «خَبيراً بَصيراً»، عِلمٌ بِالباطِنِ ونَظَرٌ إلى الظّاهِر. فيَتَبَيَّنُ أنَّ اللّاحِقَ مَرئيٌّ قَبلَ أن يُسأَلَ سَترُه، وأنَّ طَلَبَ الغُفرانِ في المَواضِعِ الأُخرى واقِعٌ مِمَّن يَعلَمُ أنَّ ما لَحِقَه مَعلوم. وسِياقُه إهلاكُ القُرونِ من بَعدِ نوح، فيُوصَلُ اللُّحوقُ بِالمَآلِ كَما وُصِلَ في ٣:١١.
- ٩١:١٤ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾: المُفرَدُ وأخذُ الجَماعة. الجَديدُ: يُفرَدُ الذَّنبُ ويُضافُ إلى جَماعة، فيُجعَلُ فِعلُ واحِدِهِم (عَقرُ النّاقة) لاحِقاً بِهِم كُلِّهِم. فيَتَبَيَّنُ أنَّ اللُّحوقَ يَتَعَدّى الفاعِلَ إلى مَن رَضِيَ، وهو أشَدُّ ما في هذا المَفهوم. ويُقابِلُ ٣:١١ في الصّورة: هُناكَ جَمعٌ في الأخذِ وهُنا إفرادٌ فيه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الغُفران في سِتّةِ مَواضِعَ من ثَمانية: مُلازَمةُ الغُفرانِ
لِلذَّنبِ في المُسَجَّلِ غالِبة، والخارِجانِ عَنها ٩١:١٤ (مَوضِعُ الأخذِ) و١٧:١٧ (مَوضِعُ العِلمِ بِه). فيُقرَأُ البابُ على أنَّ اللّاحِقَ إمّا يُغَطّى وإمّا يُقادُ بِه وإمّا يُحاطُ بِه خُبراً، وثَلاثَتُها تَقتَضي أنَّه لا يُنزَع.
- مَعَ التَّوبة في ٣:١٣٥: اشتِراطُ تَركِ الإصرارِ بَعدَ
الاستِغفارِ يَجعَلُ السَّترَ مَشروطاً بِانقِطاعِ المَصدَر.
- مَعَ الشِّدّة / الشَّديد في ٣:١١: خِتامُ الآيةِ بِـ«شَديدُ العِقاب» بَعدَ
الأخذِ بِالذُّنوبِ يَجمَعُ اللُّحوقَ والإحكام: ما لَحِقَ لا يَنفَكّ، وما أُخِذَ بِه لا يُفلَتُ منه.
- مَعَ الصَّبر في ٣:١٤٧: وُقوعُ الاستِغفارِ في قَولِ مَن لم يَهِنْ
ولم يَستَكِنْ يَمنَعُ أن يُقرَأَ طَلَبُ السَّترِ ضَعفاً.
الإشكالات المَفتوحة
- الفَرقُ بَينَ الذَّنبِ والسَّيِّئةِ في ٣:١٩٣: هل هو فَرقٌ في
المُسَمّى أم في جِهَةِ النَّظَر؟ اختِلافُ الفِعلِ والحَرفِ يُرَجِّحُ الأوَّل، والمَوضِعُ وَحيدٌ فلا يُقاسُ عليه. مَفتوح.
- «بِذَنبِهِم» في ٩١:١٤: أالإفرادُ لِلجِنسِ أم لِفِعلٍ بِعَينِه؟
السِّياقُ يَذكُرُ عَقرَ النّاقةِ فيُرَجِّحُ الثّاني، والإفرادُ يَحتَمِلُ الجِنس. مَفتوح.
- هل يَلزَمُ من كَونِ الذَّنبِ «لاحِقاً» أنَّه لا يُمحى؟ لَفظُ
الغُفرانِ (السَّتر) يُوافِقُ ذلك، ولَفظُ التَّكفيرِ في ٣:١٩٣ وارِدٌ في السَّيِّئةِ لا في الذَّنب. والمَسأَلةُ تَحتاجُ مَواضِعَ من سُوَرٍ لم تُنشَر.
- ١٧:١٧: أهُوَ مَوضِعٌ ثالِثٌ أم فَرعٌ من الأخذ؟ السِّياقُ إهلاكٌ،
فيَحتَمِلُ أن يَكونَ العِلمُ فيه مُقَدِّمةً لِلأخذِ لا قِسماً بِإزائِه. ورُجِّحَ هُنا أنَّه قِسمٌ ثالِثٌ لِأنَّ الخَبَرَ في الآيةِ وَصفٌ لِلرَّبِّ لا فِعلٌ واقِعٌ بِالقَوم. مَفتوح.