آل عمران · الآية 135

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

«وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ»: الخَطَأُ يَفتَحُ بابَ الذِّكر

تَعطِفُ الواوُ موصولاً على صفاتِ المتّقين، غيرَ أنّ الصفةَ لا تَدّعي غيابَ الزَّلل، و«إذا» تَفتحُ حالَ وقوعٍ هو أنّهم فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسَهم. والفعلُ من ف-ع-ل، وهو شَقٌّ يَنفُذُ ثمّ يَظهَرُ من العُمقِ ويتعلّقُ بأثر، والفاحشةُ من ف-ح-ش، ومعناه انفتاحٌ يَدخُلُ احتواءً ضيّقاً ثمّ يَنتشرُ، فهي تُسمّي ما جاوزَ حدَّه. و«أو» تَحفَظُ البديلين فلا يُدمجانِ قسراً، والظلمُ موجّهٌ إلى أنفسِهم كما صرّحَ المفعول.

«ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ»: الذِّكرُ يَفتَحُ طلبَ السِّتر

ويأتي جوابُ «إذا» بالفعلِ «ذكروا»، فلا يَتوقّفُ المسارُ عندَ الفعلِ الواقع. والذِّكرُ من ذ-ك-ر إبرازٌ رخْوٌ يَدخُلُ كَتماً ثمّ يَجري مسترسلاً، فيُعيدُ المذكورَ إلى حُضورٍ جارٍ، ومفعولُه اسمُ الله. ثمّ تَصِلُ الفاءُ به النتيجةَ العاجلة، وهي «استغفروا». وصيغةُ الاستفعالِ من غ-ف-ر تَطلُبُ سِتراً يَنفُذُ من الغَورِ ويَجري، واللّامُ تَربِطُ الطلبَ بذنوبِهم هم. والآيةُ تَجعَلُ الذِّكرَ مَدخلاً إلى الاعترافِ والطلب، ولا تَستبدِلُ الذِّكرَ بادّعاءِ البراءة.

«وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ»: الاستفهامُ يَنغَلِقُ على استثناءٍ واحد

وتَقطَعُ الجملةُ سَردَ أفعالِهم بسؤالٍ يَحمِلُ جوابَه في الاستثناء: مَن يَغفرُ الذنوبَ إلا الله. والمضارعُ «يغفر» يُجدِّدُ فعلَ السِّتر، ومفعولُه «الذنوب» جمعٌ يَستوعبُ ما تعلّقَ به طلبُهم من غير تفصيلٍ للأنواع. وأداةُ «إلا» تَحصرُ الفاعلَ في اسمِ الله المذكورِ بعدها، فلا يَتحوّلُ طلبُهم إلى قوّةٍ ذاتيّةٍ تُنتِجُ الغفران، وبينَ ذِكرِ الله واستثنائِه يَنتظِمُ المصدرُ والمقصودُ في وَحدة.

«وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا»: عَدَمُ الإصرارِ يَقطَعُ عَودَةَ الفِعل

والواوُ تَعطفُ علامةً أخرى، و«لم» تَدخلُ على المضارعِ فتَنفي الإصرارَ في الزمنِ المنقضي. والإصرارُ من ص-ر-ر إطباقٌ صلبٌ يَجري ثمّ يُكثّفُ تكرارُ الراءِ تماسكَ الجريان، فيَحملُ ثباتاً على المسار. وحرفُ «على» يَجعلُ ما فعلوا سطحاً كان يمكنُ أن يَثبتوا فوقه، غيرَ أنّ النفيَ يَقطعُ هذا الثبات. فالفعلُ الذي سمّاه أولُ الشرطِ يَبقى وقوعاً، والذي يَرفعُه التركيبُ هو الإقامةُ المتكررةُ عليه بعدَ الذكرِ والاستغفار.

«وَهُمْ يَعْلَمُونَ»: العِلمُ يَمنَعُ الغَفلَةَ عن البَقاء

والواوُ للحال، والضميرُ يَردُّ المعرفةَ إلى الجماعةِ نفسها في «وهم يعلمون». والعلمُ من ع-ل-م ظهورٌ من العمقِ يتعلّقُ بمعلومٍ ثمّ يضمُّه في لقاءٍ متماسك، فيَرسمُ معرفةً ثابتةَ الصلة، والمضارعُ يَجعلُ العلمَ حاضراً في زمنِ الموقف، ولذلك يتعلّقُ نفيُ الإصرارِ بحالِ قيامِ المعرفة، ويَظهرُ التوقفُ فعلاً واعياً يَقطعُ الثباتَ على ما وقع.


حَصيلة

تَبني الآيةُ صورةَ المتقينَ من مسارِهم بعدَ الفعل: يقعُ فحشٌ أو ظلمٌ للنفس، فيَذكرونَ الله، فتَصلُ الفاءُ الذكرَ بطلبِ المغفرةِ لذنوبهم. ثمّ يَحصرُ الاستفهامُ الغفرانَ في الله، ويَنفي عنهم الإصرارَ على ما فعلوا حالَ علمهم. وبهذا يَفصلُ الموصولُ بينَ وقوعٍ يُواجَهُ بالذكرِ والطلبِ وقطعِ الثبات، وفعلٍ يتحوّلُ إلى إقامةٍ معلومة.