آل عمران · الآية 16

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

«الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا»: الوَعدُ يُسمَعُ في دُعاء

تَصِلُ «الذين» هذه الآيةَ بما سَبَقَها، فأصحابُ الجَنّاتِ والرِّضوانِ يُكشَفونَ الآنَ من داخِلِ قَولِهم. والقَولُ من ق-و-ل، وأصلُه إطلاقٌ قاطِعٌ يَمتَدُّ ويَبقى مُتَعَلِّقاً بمَصدَرِه، فيَخرجُ الكلامُ من صاحِبِه خَيطاً يَربِطُه بما نَطَق، ولذلك يَظهَرُ في الدُّعاءِ اتِّجاهُ القلب، ولا يَأتي زينةً على الصِّفات.

وأوَّلُ ما يَقولونَ «ربَّنا»، والإضافةُ تَصِلُهم بالرَّبِّ الذي يَرعاهم ويُنَمِّيهم. فهم يَدعونَ من مَوقِعِ مَن يَعرِفُ أنَّ اكتمالَه لا يَقومُ بِنَفسِه، لا مِن مَوقِعِ الاستِغناء.

«إِنَّنَا آمَنَّا»: أمانٌ يُعلَنُ ولا يَمنَحُ صاحِبَه العِصمة

وإنَّ المشدَّدةُ و«نا» المُكَرَّرةُ تُثَبِّتانِ الاعتِرافَ في «إنَّنا آمنَّا». والإيمانُ من أ-م-ن: تَأكيدُ جَمعٍ يَنبَعِثُ منه الأمان، والفِعلُ ماضٍ، فيُقِرُّونَ بأنَّهم دَخلوا في صُنعِ الأمانِ والثِّقة، غيرَ أنَّ الجُملةَ لا تَقفُ عندَ هذا الإقرار.

فالفاءُ تَأتي فوراً: «فاغفر لنا»، والإيمانُ هنا يَفتَحُ بابَ طَلَبِ السَّترِ والإصلاح، ولا يَصيرُ دَعوى كَمال. وما صَنَعوا من أمانٍ يَجعَلُهم أَقدَرَ على رُؤيةِ ما يَحتاجُ إلى غُفران، لا أَقدَرَ على إنكارِه.

«فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا»: سِترٌ يَصونُ ولا يُبقي الذَّنَبَ قائداً

والغُفرانُ من غ-ف-ر، ومَعناه غَورٌ ساتِرٌ يَنفُذُ ثمَّ يَجري مُتَكَرِّراً، فهو سِترٌ يَبلُغُ مَوضِعَ الخَلَلِ فيَقيه من أن يَبقى مَكشوفاً مُستَبدّاً. واللامُ في «لنا» تَجعَلُ الغُفرانَ عَطاءً يَعودُ عليهم، ولا تَقِفُ به عندَ المَحوِ المُجرَّد.

والذُّنوبُ من ذ-ن-ب: نَفاذٌ حادٌّ يَنبَعِثُ ثمَّ يَلتَصِقُ كذَنَبٍ يَتبَعُ الفِعلَ، فالذَّنبُ أَثَرٌ يَستَتبِعُ صاحِبَه بعدَ اللَّحظةِ التي يَنقَضي فيها. وهم يَطلُبونَ أن يَبلُغَ السِّترُ هذه الآثارَ فلا تَبقى مُمسِكةً بمَسارِهم.

«وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»: مِن غُفرانِ الأَثَرِ إلى حِراسةِ المَآل

و«قِنا» من الجذرِ نفسِه الذي ظَهَرَ في «اتقوا»: و-ق-ي. فهناكَ اتَّخَذوا وِقاية، وهنا يَطلُبونَ من الرَّبِّ أن يَصِلَهم بوِقايةٍ لا يَملِكونَها وحدَهم، فالحِراسةُ عَمَلٌ يَقومونَ به وعَطاءٌ يَفتَقِرونَ إليه في آن.

والعَذابُ من ع-ذ-ب، وهو ظُهورٌ من عُمقٍ يَنفُذُ بحِدّةٍ ثمَّ يَلتَصِق، وإضافتُه إلى النارِ تَجعَلُ الدُّعاءَ طَلَباً لوِقايةِ المَآلِ الذي تَبلُغُ إليه الذُّنوبُ إن بَقِيَت آثارُها. وبهذا يَمتَدُّ القَولُ من ماضٍ «آمنَّا» إلى حاضِرٍ يَطلُبُ الغُفرانَ وإلى مُستَقبَلٍ يَطلُبُ الوِقاية.


حَصيلة

تُعرِّفُ الآيةُ أصحابَ الوَعدِ بدُعائِهم دونَ اسمٍ ساكِن: إقرارٌ بالأمانِ الذي صَنَعوه، ثُمَّ طَلَبٌ أن تُستَرَ آثارُ أفعالِهم، ثُمَّ طَلَبٌ أن يُحفَظَ مَآلُهم. والإيمانُ في القَولِ لا يُلغِي الذَّنب، والغُفرانُ لا يُلغِي الحِراسة، وبينَ «اتقوا» و«قِنا» تَقومُ مُعادَلةُ العُبوديّة: يَتَّخِذُ القلبُ وِقايتَه، ويَعرِفُ أنَّ الوِقايةَ التامّةَ مِنحةٌ من رَبِّه.