الإسراء · الآية 17

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

«وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ»: أداةُ العَدَدِ تُستَعمَلُ ولا يُذكَرُ عَدَد

«كَمْ» هُنا لِلتَّكثيرِ لا لِلسُّؤال. ولَيسَ في اللِّسانِ أداةٌ ألصَقُ بِالعَدَدِ منها، ومَعَ ذلك لا تَقولُ رَقماً ولا تَطلُبُه. تُستَعمَلُ أداةُ الإحصاءِ في مَوضِعٍ لا إحصاءَ فيه، فيَبقى الكَثيرُ كَثيراً ولا يَصيرُ مِقداراً.

وقد جاءَ التَّمييزُ مَجروراً بِـ«مِنَ الْقُرُونِ»: جِنسٌ يُبَيَّنُ ولا يُعَدُّ أفرادُه. والقَرنُ في ق-ر-ن شَدٌّ مُحكَمٌ يَضُمُّ الشَّيءَ إلى مِثلِه فيَجريانِ مَعاً ثُمَّ يَخرُجان. فالكَلِمةُ في جِذرِها تُسَمّي اقتِراناً، لا مُدّةً ولا مِقداراً. ومَن عَدَّها أو أرَّخَها وَضَعَ رَقماً على كَلِمةٍ لَيسَ في حُروفِها رَقم.

و«أَهْلَكْنَا» هو فِعلُ الآيةِ قَبلَها: قيلَ هُناكَ «أَن نُّهْلِكَ» إرادةً لم تَقَعْ بَعد، ويُقالُ هُنا «أَهْلَكْنَا» ماضِياً وَقَع. وهُناكَ قَريةٌ واحِدةٌ مُنَكَّرة، وهُنا قُرونٌ لا تُحصى. القانونُ الذي كُتِبَ في السَّطرِ السّابِقِ يُقالُ لَه هُنا: قد جَرى مِراراً.

«مِن بَعْدِ نُوحٍ»: اسمٌ يُذكَرُ ولا يُروى عَنه شَيء

نوحٌ مَذكورٌ في هذه السّورةِ مَرَّتَين. قيلَ في أوَّلِها: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، ويُقالُ هُنا «مِن بَعْدِ نُوحٍ». وفي المَوضِعَينِ يَرِدُ الاسمُ ولا يَرِدُ مَعَه خَبَر. لا فِعلَ يُسنَدُ إلَيه، ولا قَومَ يُوصَفون، ولا حادِثةَ تُصَوَّر. مَرّةً هو مَن حُمِلَ مَعَه، ومَرّةً هو ما بَعدَه.

و«مِن بَعْدِ» تَجعَلُ الاسمَ حَدّاً يُبتَدَأُ منه، لا شَخصاً تُقَصُّ سيرَتُه. الحَدُّ مَذكورٌ والمَعدودُ مَتروك: فُتِحَ البابُ من مَوضِعٍ مُعَيَّنٍ على مَدىً غَيرِ مُعَيَّن. والآيةُ تَسكُتُ عمّا قَبلَ الحَدِّ كما سَكَتَت عن عَدَدِ ما بَعدَه.

«وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ»: الجِذرُ يَقولُ القانونَ الذي قالَهُ الحَرف

البِناءُ نَفسُه مَرَّ قَبلَ آياتٍ ثَلاث: كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. باءٌ تَدخُلُ على مَن تَقَعُ بِه الكِفاية، ثُمَّ مَنصوبٌ يُبَيِّنُ جِهَتَها. والمَجرورُ هُناكَ نَفسُ المُخاطَب، والمَجرورُ هُنا رَبُّه.

ثُمَّ «بِذُنُوبِ عِبَادِهِ». والذَّنبُ في ذ-ن-ب ما خَرَجَ من باطِنِ الشَّيءِ ثُمَّ بَقِيَ مُتَّصِلاً بِه يَتبَعُه. ومنه الذَّنَبُ يَمتَدُّ من آخِرِ الجِسمِ فلا يَنفَصِلُ عنه ويَتبَعُه حَيثُ سار. فالكَلِمةُ نَفسُها تَقولُ ما قالَهُ الحَرفانِ قَبلَ آيَتَين: عَمَلٌ يَخرُجُ من صاحِبِه ولا يُفارِقُه. اللّامُ عَنوَنَتْه، و«على» أثقَلَت بِه، وهذا الجِذرُ يُسَمّيهِ بِهَيئَتِه: تابِعٌ لا يُقطَع.

وقد قيلَ قَبلَ سَطرَينِ إنَّ حامِلةً لا تَحمِلُ حِملَ أُخرى. فانظُرْ كَيفَ تَعودُ الفِكرةُ في كَلِمةٍ واحِدة: ما نَبَتَ من جِسمٍ لا يُنقَلُ إلى جِسمٍ آخَر. الذَّنَبُ لا يُستَعارُ ولا يُوهَب.

و«عِبَادِهِ» تُعيدُ الجِذرَ الذي فُتِحَتْ بِه السّورة: قيلَ في الأولى «بِعَبْدِهِ»، وقيلَ في الخامِسةِ «عِبَادًا لَّنَا»، ويُقالُ هُنا «عِبَادِهِ». الإضافةُ قائِمةٌ في المَواضِعِ الثَّلاثة. تُذكَرُ الذُّنوبُ ولا تُنزَعُ النِّسبة.

«خَبِيرًا بَصِيرًا»: اسمانِ بِعَدَدِ وَجهَي الذَّنب

الخُبرُ في خ-ب-ر نُفوذٌ إلى باطِنِ الشَّيءِ يَتَّصِلُ بِما فيه، ومنه خَبَرَ الأرضَ إذا شَقَّها فبَلَغَ ما تَحتَ ظاهِرِها. والبَصَرُ في ب-ص-ر نَفاذٌ صُلبٌ يَخرُجُ فيَقَعُ على الظّاهِرِ فيُمَيِّزُه.

والذَّنبُ خَرَجَ من باطِنٍ وبَقِيَ في الظّاهِرِ يَتبَع. فالاسمُ الأوَّلُ يُدرِكُ مَخرَجَه، والثّاني يُدرِكُ مَقَرَّه. لَيسَ الاسمانِ تَزَيُّداً في المَدح؛ هُما بِعَدَدِ ما لِلذَّنبِ من طَرَفَين.

وقد خُتِمَتِ الآيةُ الأولى من هذه السّورةِ بِـالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يَعودُ «البَصير» هُنا ويُزادُ عَلَيه اسمٌ يَبلُغُ ما لا يُرى. وقد نُكِّرَ الاسمانِ ونُصِبا: بَيانُ جِهةِ الكِفايةِ لا لَقَبٌ يُعَرَّف. الكِفايةُ مِن هذَينِ الوَجهَين، لا مِن أحَدِهِما.


حَصيلة

تُستَعمَلُ أداةُ العَدَدِ ولا يُقالُ عَدَد، ويُجَرُّ التَّمييزُ بِكَلِمةٍ جِذرُها اقتِرانٌ لا مِقدار، فيَبقى الكَثيرُ كَثيراً بِلا رَقم. ويُذكَرُ الاسمُ الذي جُعِلَ حَدّاً ولا يُروى عَنه شَيء، لا في هذا المَوضِعِ ولا في المَوضِعِ الأوَّلِ من السّورةِ الذي ذُكِرَ فيه. ثُمَّ يُعادُ بِناءُ الكِفايةِ الذي مَرَّ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ ويَتَبَدَّلُ المَجرور. وتُسَمّى الأعمالُ «ذُنوباً»، وهي في جِذرِها ما خَرَجَ من الباطِنِ فبَقِيَ مُتَّصِلاً يَتبَعُ صاحِبَه، فيَقولُ الجِذرُ ما قالَتْهُ اللّامُ وما قالَتْهُ «على» في الخامِسةَ عَشرة: لا يُنقَلُ ما نَبَتَ من جِسمٍ إلى جِسمٍ سِواه. وتَبقى الإضافةُ في «عِبَادِهِ» كما بَقِيَت في أوَّلِ السّورة. ويُختَمُ بِاسمَينِ مَنصوبَينِ مُنَكَّرَينِ يُبَيِّنانِ جِهةَ الكِفاية: واحِدٌ يَنفُذُ إلى حَيثُ خَرَجَ الذَّنب، وواحِدٌ يَقَعُ على حَيثُ استَقَرّ. قُرونٌ لم تُعَدّ، واسمٌ لم يُشرَح، وعَمَلٌ لا يُفارِقُ عامِلَه.