آل عمران · الآية 193

﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ

«رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا»: النِّداءُ بَلَغَ السَّمع

يَتكرّرُ النداءُ «ربَّنا»، وتَدخلُ «إنّ» على ضميرِ المتكلّمينَ لتُؤكِّدَ خبرَهم: سمعنا. والسمعُ من س-م-ع حصرٌ دقيقٌ يُمسِكُ المسموعَ في الباطنِ ثمّ يُظهرُ إدراكَه، فيَحملُ تلقّياً واعياً لا مروراً غافلاً. والمفعولُ «منادياً» نكرةٌ منصوبةٌ عرّفَها فعلُها: المنادي هو الذي يُنادي، وصِفتُه في الجملةِ هي النداءُ الذي بلَغَ سَمعَهم. ثمّ يَصفُه المضارعُ «ينادي»، فيَجعلُ فعلَ النداءِ طبيعةً جاريةً في هذه الجملة.

«يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا»: مضمونُ النداءِ يَلقى جوابَه

وتتعلّقُ اللامُ في «للإيمان» بالنداء، ثمّ تفسّرُ «أن» مضمونَه بالأمرِ الجمعيّ «آمنوا بربكم». والإيمانُ من أ-م-ن، وأصلُه تهيّؤٌ يُمسَكُ في احتواءٍ باطنٍ ثمّ يَنبعثُ منه أثرٌ نافذ، فيَحملُ ثقةً تُؤمِّنُ صاحبَها. والباءُ تَربطُ الإيمانَ بالربِّ المضافِ إلى ضميرِ المخاطَبين. وتأتي الفاءُ بجوابٍ سريعٍ من المتكلّمين: فآمنّا، والتناسبُ بينَ «آمنوا» و«آمنّا» مباشر.

«رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا»: الإيمانُ يَفتحُ طلبَ المغفرة

ويُعادُ نداءُ الربِّ داخلَ الآيةِ مرّةً ثانية، ثمّ تَدخلُ الفاءُ على أمرٍ دعائيّ: فاغفر. والمغفرةُ من غ-ف-ر: سترٌ كثيفٌ يَفتحُ مجرى نافذاً ثمّ يَجري مسترسلاً، فتَحملُ تغطيةً تَقي أثرَ الذنب. و«لنا» يَجعلُ منفعةَ المغفرةِ للمتكلّمين، و«ذنوبنا» مفعولٌ جمعٌ مضافٌ إليهم. والفاءُ تَصلُ بينَ اعترافِهم بالإيمانِ وبينَ الطلب، فيَصيرُ إيمانُهم مَدخلاً إلى الطلبِ لا مَخرجاً منه.

«وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا»: السَّيِّئاتُ تُبعَدُ بعدَ طَلَبِ الغُفران

وتَعطفُ الواوُ طلباً ثانياً: وكفّر عنّا سيئاتنا. والتكفيرُ من ك-ف-ر: التقاءٌ غائرٌ يَفتحُ مجرى ثمّ يَجري ساتراً، وتَضعيفُ الفاءِ في «كفِّر» يُعيدُ السَّترَ على السيّئاتِ مرّةً بعدَ مرّةٍ بقَدرِ ما تَعدَّدَ منها. وحرفُ «عن» يَرسمُ جهةَ الإبعادِ عن المتكلّمين، و«سيئاتنا» مفعولٌ جمعٌ مضافٌ إليهم. وقد ذكرتِ الآيةُ ذنوباً مع المغفرةِ وسيئاتٍ مع التكفير، فصارَ لكلِّ طلبٍ اسمُه وحركتُه: غفرٌ يَضمُّ، وتكفيرٌ يُبعِدُ الأثرَ ويَستره.

«وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ»: الطلبُ الأخيرُ يَجعلُ الصحبةَ جهةَ التوفّي

وتَعطفُ الواوُ الطلبَ الثالثَ «توفّنا»، وضميرُ المفعولِ يَضمُّ المتكلّمين. والوفاءُ من و-ف-ي إحاطةٌ تَفتحُ مجرى نافذاً متّصلاً، والياءُ تَمدُّ الحدثَ بوجهٍ متّصل، وصيغةُ التفعّلِ تَحملُ استيفاءً يَقبضُ النفسَ تامّةً. والظرفُ «مع» يَربطُهم بالأبرار، وهم جمعٌ معرَّفٌ بوصفِ البرّ. وبهذا تُختَمُ الطلباتُ بحالِ الاجتماع: بعدَ غفرانِ الذنوبِ وتكفيرِ السيئاتِ يَطلبونَ أن يكونَ تمامُ أخذِهم مع الأبرار.


حَصيلة

يَعرضُ الدعاءُ سلسلةً مكتفيةً بألفاظِها: سمعوا منادياً غيرَ مسمّى يدعو إلى الإيمانِ بالرب، فآمنوا، ثمّ أعادوا نداءَ الربِّ وطلبوا ثلاثةَ أشياء: مغفرةَ الذنوب، وتكفيرَ السيئاتِ عنهم، وتوفّيَهم مع الأبرار. ويَبقى كلُّ طرَفٍ عندَ الوَصفِ الذي حَملَه له اللفظ: مُنادٍ يُعَرِّفُه نداؤُه، وذنوبٌ يُطلَبُ غَفرُها، وسيّئاتٌ يُطلَبُ تكفيرُها، وأبرارٌ يُعَرِّفُهم بِرُّهم. وتَحفظُ الأفعالُ ترتيبَ التلقّي والاستجابةِ والافتقار: سمعنا، فآمنّا، فاغفر، وكفّر، وتوفّنا. وما أُجيبَ به النداءُ يَفتحُ طلبَ الرحمةِ ولا يُسقِطُه.