الشمس · الآية 14

﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا

«فَكَذَّبوهُ فَعَقَروها»: التَّكذيبُ يَنزِلُ في فِعل

التَّكذيبُ كَلِمَةٌ والعَقرُ فِعلٌ، والكَلِمَةُ الأُولى ضِدُّ ما قالَه الرَّسولُ، والثانيَةُ ضِدُّ ما حَذَّرَ منه. فقد كَذَّبوهُ فلم يُصَدِّقوا أنَّ النَّاقَةَ ناقَةُ الله، فأَعقَبوا التَّكذيبَ بفِعلِ ما حَذَّرَ منه: عَقَروا الناقَة. والتَّرتيبُ في الفاءَين تَرتيبٌ مَنطِقيّ: مَن لم يَستَوعِبِ البَلاغَ في كَلامِه لم يَستَوعِبْ حُرمَتَه في فِعلِه.

والعَقرُ في الجذرِ (ع-ق-ر) ضَربُ قَوائمِ الدابَّةِ بسَيفٍ أو نَحوِه ليَسقُطَ على عُرقوبِها فلا يَقومَ بَعدَها، وهو فِعلٌ يَجمَعُ القَطعَ والإِسقاط. والفاعِلُ في «فَعَقَروها» ضَميرُ القَوم، أيْ فَعَلَه القَومُ كلُّهم، وإن كانَ مُباشِرُ الفِعلِ هو الأَشقى الذي انبَعَثَ في الآيةِ الثانيَةِ عَشَرَة، والجَماعَةُ تَتَحَمَّلُ ما فَعَلَه واحدٌ منها لأنَّه فَعَلَه بطَغواهم وبسُكوتِهم.

«فَدَمدَمَ علَيهِم رَبُّهم بذَنبِهِم»: النُّزولُ المُتَكَرِّرُ بسَبَبِ الذَّنب

و«دَمدَمَ» فِعلٌ في العربيّةِ يَدُلُّ على صَوتٍ مُتَتابِعٍ مَع ضَربٍ مُتَكَرِّر، يُقالُ تَدَمدَمَ الرَّعدُ إذا تَتابَعَ صَوتُه، ودَمدَمَ علَيهم العَدُوّ إذا أنزَلَ بهم ضَربَةً بَعد ضَربَةٍ مُتَتالية. والصيغَةُ في الآيةِ مَبنيَّةٌ على تَضعيفِ المَقطَع، فاللَّفظُ نَفسُه يُحاكي ما يَدُلُّ علَيه، ونُطقُ «دَم» مَرَّتَين كَنُزولِ ضَربَتَين.

والفاعِلُ «رَبُّهُم»، والإضافَةُ فيه مَلحوظَة، إذ عُدِلَ عن لَفظِ «الله» مُجَرَّداً إلى «رَبُّهم»، فالذي تَولّاهُم في الخَلقِ والتَّسوِيَةِ هو نَفسُه الذي تَولّى الحُكمَ فيهم. والجذرُ (ر-ب-ب) في العربيّةِ من التَّربيَة، ومَن رَبَّ شَيئاً تَولّاه في كلِّ مَواقِفِه، فالرَّبُّ المُربّي هو الرَّبُّ المُحاسِب، ولا يَنفَكُّ المُربّي عَن مَربوبِه حَتّى في السّاعةِ الحاسِمة.

والباءُ في «بذَنبِهِم» باءُ السَّبَب، فما نَزَلَ علَيهم نَزَلَ بسَبَبِ ذَنبِهِم، لا تَعَسُّفاً ولا غَضَباً مُجَرَّداً. والجذرُ (ذ-ن-ب) في العربيّةِ من ذَيلِ الشَّيءِ وما يَتَأَخَّرُ منه، ومنه «ذَنَبُ» الدابَّةِ لِما يَتَأَخَّرُ منها من خَلفِها، و«الذَّنبُ» في النَّفسِ لِما يَتَأَخَّرُ من فِعلِها فيَلحَقُها. فالذَّنبُ بهذا المعنى ما يُلحَقُ بصاحِبِه ولا يُترَكُ مُهمَلاً، وكلُّ فِعلٍ يُخَلِّفُ ذَنباً، والذَّنبُ يَجِبُ على فاعِلِه.

«فَسَوَّاها»: التَّسوِيَةُ التي تُقابِلُ تَسويَةَ النَّفس

ويَعودُ الفِعلُ «سَوَّى» في هذه الآيةِ بَعد أن وَرَدَ في الآيةِ السابعة، ففي تِلكَ «وَنَفسٍ وَما سَوَّاها»، وهي تَسوِيَةُ النَّفسِ على نِسَبٍ مَحفوظَة، وفي هذه «فَسَوَّاها»، وهي تَسوِيَةٌ من نَوعٍ آخَر: تَسوِيَةٌ بالأَرض، أي إنزالُ المُرتَفِعِ على المُستَوي حَتّى يَزولَ الفَرقُ بَين قائمٍ وساقِط.

والفِعلُ نَفسُه (س-و-ي) قابِلٌ لِلمَعنَيين: تَسوِيَةِ نِسبَةٍ بَين أجزاءِ شَيءٍ يَستَقيم، أو تَسوِيَةِ شَيءٍ بشَيءٍ آخَرَ حَتّى يَستَويا في المُستَوى. فالنَّفسُ في الآيةِ السابِعة سُوِّيَت على نِسبَةٍ فَخَرَجَت قائمَة، وثَمودُ في هذه الآية سُوِّيَت بالأرضِ التي طُحِيَت في الآيةِ السادِسة، والفِعلُ نَفسُه يَخدُمُ المعنَيين، والسُّوَرُ تَختارُ السِّياقَ الذي يَنزِلُ فيه.

والضَّميرُ «ها» في «سَوَّاها» يَعودُ على ثَمودَ جَماعَةً، أو على البَلدَة التي كانوا فيها، أو على الأرضِ التي قاموا علَيها، وكلُّ هذه الإحالاتِ مَقبولَةٌ في النَّحوِ ولا تَختَلِفُ في النَّتيجَة: ما كانَ مَرتَفِعاً منهم سَقَط، وما كانَ قائماً منهم اِستَوى بما تَحتَه. والقَومُ الذينَ طَغَوا فاضَ علَيهم ما طَحاهُم في الأرضِ نَفسِها التي كانَت قَد طُحِيَت من قَبل.

والقارئُ إذا نَطَقَ هذه الآيةَ لَحِقَ بفاءاتِها كَأنَّ سَيلاً يَجري في فَمِه، فالفاءُ تُعَقِّبُ الفاءَ، والأصواتُ تَعلو ثمّ تَهبِطُ ثمّ تَستَوي، وفي خاتِمَتِها يَستَوي الكَلامُ مَع نَفسِه كَما اِستَوى القَومُ مَع الأرض. والتَّسوِيَةُ تَأتي مَرَّتَين، في النَّفسِ بَدءاً وفي الجَماعَةِ خَتماً، والفَرقُ بَينهما هو الفَرقُ بَين مَن زَكّى ومَن دَسّى.


حَصيلة

في الآيةِ أربَعُ فاءاتٍ مُتَتابِعَة: كَذَّبوا، عَقَروا، دَمدَمَ، سَوَّاها، في تَدَفُّقٍ لا يَنقَطِع. و«عَقَرُوها» ضَربُ عَصَبِ الناقةِ فتَسقُطُ وتَموت، و«دَمدَمَ» صَوتُ الجِذرِ فيه يُحاكي الدَّوِيَّ المُتَكَرِّر، والباءُ في «بِذَنبِهِم» باءُ السَّبَب، أي ما نَزَلَ بِهِم كانَ بِما اقتَرَفوه. وفي «فَسَوَّاها» عادَ الجِذرُ س-و-ي: ففي الآيةِ السابِعَةِ سَوَّى النَّفسَ تَسوِيَةً خَلقِيَّة، وهنا سَوَّى الأَرضَ تَسوِيَةً عَقابِيَّة، والنَّفسُ التي رَفَضَت تَسوِيَتَها الأَخلاقِيَّةَ انتَهَت إلى تَسوِيَةٍ أُخرى.