البقرة · الآية 144

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ: حَرفُ قَدْ للتَّحقيقِ، والرُّؤيةُ قبلَ الطَّلَبِ المُصَرَّح

قَدْ قَبلَ المُضارِعِ نَرَىٰ تُفيدُ التَّكرارَ والمُواصَلة، والرُّؤيةُ فيها مُراقَبةٌ مُستَمِرّةٌ حاضِرة، وليسَت لَحظةً عارِضة. وجاءَ الخِطابُ قَبلَ أن يُصَرِّحَ المُخاطَبُ بِطَلَبٍ لَفظيّ، فالإجابةُ سابِقةٌ على السُّؤالِ المَنطوق، وهذه قيمةٌ مُستَقِلّة، وهي أنّ التَّلَفُّتَ بِالوَجهِ نَحوَ السَّماءِ كانَ كافِياً لِاستِحضارِ الجَوابِ من غَيرِ حاجةٍ إلى عِبارة. وتَقَلُّبَ مَصدَرٌ من (ق ل ب) على وَزنِ تَفَعُّل، يُفيدُ التَّكَرُّرَ والتَّجَدُّدَ دونَ الحَرَكةِ المُفرَدة، وكانَ وَجهُه في دَوَرانٍ مُتَكَرِّرٍ بَينَ الأرضِ والسَّماء، لا في رَفعةٍ واحِدة. وهذا الدَّورانُ الخارِجيُّ صورةٌ لِدَورانٍ داخِليّ: القَلبُ (ق ل ب) يَدورُ فيَدورُ الوَجهُ مَعَه، فالجِهةُ الخارِجيّةُ مِرآةٌ لِلجِهةِ الباطِنة.

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا: تَوكيدٌ مُضاعَف، ورِضىً مُضافٌ إلى المُخاطَبِ لا إليه

والفاءُ في فَلَنُوَلِّيَنَّكَ فاءُ السَّبَبيّة، والتَّقَلُّبُ سَبَبٌ مُقَدَّمٌ على الجَواب، وجاءَتِ اللّامُ مَعَ نونِ التَّوكيدِ الثَّقيلةِ لِتُؤَكِّدَ الوَعدَ بِأقصى التَّوكيدِ اللُّغَويّ. والفِعلُ نُوَلِّيَنَّكَ من (و ل ي) بِصيغةِ التَّفعيل، يَتَعَدّى إلى مَفعولَين: الكافُ في نُوَلِّيَنَّكَ، والقِبلةُ هي المَفعولُ الثّاني، والمَعنى: سَنَجعَلُ بَينَكَ وبَينَ هذه القِبلةِ وِلايةً قائِمة. وتَرْضَاهَا صِفةٌ لِلقِبلة، وفاعِلُ الرِّضى فيها المُخاطَبُ دونَ اللهِ تَعالى، أي قِبلةٌ يَرضى بِها المُخاطَب، لأنّ كُلَّ قِبلةٍ يَختارُها اللهُ يَرضى بِها اللهُ ابتِداءً، فتَخصيصُ الرِّضى هنا بِالمُخاطَبِ مَكرُمةٌ لَه وتَكريمٌ لِرَغبَتِه المُضمَرة، وهو وَجهٌ آخَرُ من الخِطابِ الحَميمِ الذي بَدَأَت بِه الآيةُ بِـقَدْ نَرَىٰ.

شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: (ش ط ر) جِهةٌ مُشتَرَكةٌ لا عَتَبةٌ مَقصودة

ومَدارُ (ش ط ر) على النِّصفِ والجِهةِ والنَّحو، ومنه انشَطَرَ الشَّيءُ إذا انقَسَمَ إلى نِصفَينِ مُتَقابِلَين. وعُدِلَ في الآيةِ عن «فَوَلِّ وَجهَكَ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ» إلى شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فالمُتَوَجَّهُ إلَيه الجِهةُ التي يَقَعُ فيها البَيت، دونَ جِدارِه. ولِذلك أمكَنَ التَّعميمُ في وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، والعالَمُ بِأسرِه يَستَطيعُ أن يُواجِهَ الجِهةَ من غَيرِ أن يَلمِسَ البِناء. فالقِبلةُ بِهذا الاختيارِ اللَّفظيِّ مِحوَرٌ مُشتَرَكٌ لا مَعلَمٌ يُزار، يَنعَقِدُ حَولَه المُسلِمونَ من كُلِّ أُفُقٍ دُفعةً واحِدة، ويَصيرُ البَيتُ مَركَزَ تَوجيهٍ كَوكَبيّاً، وهو غَيرُ الصَّنَمِ الجُغرافيّ. وهذا هو المَعنى العَمَليُّ لِقَولِه في الآيةِ السّابِقةِ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، أي أنّ التَّوجيهَ يَستَوعِبُ كُلَّ الجِهات.

(س ج د) + (ح ر م): مَكانُ السُّجودِ الذي يَحرُمُ فيه غَيرُه

والْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَصفٌ مُرَكَّبٌ من جَذرَينِ مُتَعاضِدَين: (س ج د) في نَواتِها هُبوطُ العالي وخُضوعُه إلى أسفَل، و(ح ر م) مَنعٌ وتَحصينٌ بِحاجِزٍ لا يُخرَق. فالمَسجِدُ الحَرامُ في حَرفِه المَوضِعُ الذي يَهبِطُ فيه الإنسانُ خُضوعاً، ويَحرُمُ فيه كُلُّ ما يُخالِفُ هذا الخُضوع. ومن هنا كانَ التَّوَجُّهُ إلى شَطرِه تَوَجُّهاً مُكَثَّفاً إلى وَظيفةِ السُّجودِ نَفسِها، فكُلُّ صَلاةٍ في الأرضِ تَنشَدُّ إلى نُقطةٍ جَذبُها المَنعُ والخُضوعُ مَعاً، فلا يَصِحُّ فيها تَعَدُّدُ الجِهاتِ ولا تَعَدُّدُ المَعبودات. و(ح ر م) في نَواتِها تُشيرُ إلى أنّ الحَرَمَ يَستَخدِمُ المَنعَ لِأجلِ التَّقديس، لا لِأجلِ العُقوبة، فالبَيتُ مُحَرَّمٌ بِمَعنى أنّه حِمىً مَحفوظٌ من اللَّوثِ البَشَريّ، وهذا يَنسَجِمُ مَعَ ما تَقَدَّمَ من أنّ القِبلةَ أداةٌ بِيَدِ اللهِ لا مَوضِعٌ مُؤَلَّه.

(ع ل م) + (غ ف ل): عِلمٌ مُؤَكَّدٌ عندَ أهلِ الكِتاب، وغَفلةٌ مَنفيّةٌ عند اللهِ

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ: تَوكيدانِ مُتَتالِيانِ بِـإِنَّ ولامِ التَّأكيدِ في لَيَعْلَمُونَ، ومُتَعَلَّقُ العِلمِ نَفسُه مُؤَكَّدٌ بِـأَنَّ. فالآيةُ تَنسِبُ إلَيهِم عِلماً راسِخاً بِأنّ تَحويلَ القِبلةِ هو الحَقُّ المَوصولُ بِرَبِّهِم، ولا تَنسِبُ إلَيهِم جَهلاً، وهذا أخطَرُ ما في مَوقِفِهِم، وهو أنّ الكِتمانَ يَقَعُ مَعَ المَعرِفةِ لا مَعَ الجَهل. ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِنَفيٍ مُؤَكَّد: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. و(غ ف ل) في نَواتِها سَهوٌ عن التَّتَبُّعِ وعَدَمُ مُراقَبة، فإدخالُ الباءِ على الخَبَرِ بِغَافِلٍ يُفيدُ أقصى دَرَجاتِ النَّفي، ولا أثَرَ لِلغَفلةِ فيه سُبحانَه. وفي مُقابِلِ كِتمانِهِم عِلمَهُم مُراقَبةٌ إلهيّةٌ تامّةٌ حاضِرةٌ لِعَمَلِهِم، فالعِلمُ عِندَهُم، والمُراقَبةُ عِندَ الله، فلا يَنفَدُ شَيءٌ من الشَّهادة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والقِبلةُ في الكَلِمةِ شَطرٌ يُستَقبَلُ من كُلِّ أرض، لا بِناءٌ يُزار، فمَن رَآها مِحوَراً لِلخُضوعِ اتَّجَه، ومَن رَآها حِكراً على جَماعةٍ كَتَمَ الحَقَّ وهو يَعلَم.


حَصيلة

حَرفُ «قَد» قَبلَ المُضارِعِ في قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ يُفيدُ مُراقَبةً مُستَمِرّةً لا لَحظةً عابِرة، والإجابةُ تَأتي قَبلَ أن يَنطِقَ طَلَبٌ لَفظيّ، فتَلَفُّتُ الوَجهِ وَحدَه كَفى استِحضارَ الجَواب. والتَّقَلُّبُ من (ق-ل-ب) على وَزنِ تَفَعُّلٍ يُفيدُ تَكَرُّرَ الحَرَكةِ وتَجَدُّدَها، وقَلبُه يَدورُ فيَدورُ الوَجهُ مَعَه، والجِهةُ الخارِجيّةُ مِرآةٌ لِلجِهةِ الباطِنة. ثُمَّ يَجيءُ وَعدُ التَّوليةِ بِأقصى التَّوكيدِ اللُّغَويِّ في فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، وفيه مَكرُمة، وهي أنّ الرِّضى نُسِبَ إلى المُخاطَبِ دونَ الله، تَكريماً لِرَغبَتِه المُضمَرة. وجَذرُ (ش-ط-ر) في شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يَحمِلُ النِّصفَ والجِهةَ والنَّحو، فالمُتَوَجَّهُ إلَيه الجِهةُ التي يَقَعُ فيها البِناء، دونَ جِدارِه، ولِهذا أمكَنَ التَّعميمُ في وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والعالَمُ بِأسرِه يَستَطيعُ مُواجَهةَ الجِهةِ من غَيرِ أن يَلمِسَ البِناء. فالمَسجِدُ الحَرامُ مِحوَرٌ مُشتَرَكٌ لا مَعلَمٌ يُزار، يَجمَعُ (س-ج-د) الهُبوطَ بِخُضوعٍ و(ح-ر-م) المَنعَ الحامي، ومَن يَستَقبِلُ شَطرَه يَتَوَجَّهُ إلى وَظيفةِ السُّجودِ نَفسِها. وفي خِتامِ الآيةِ إثباتُ أنّ أهلَ الكِتابِ يَعلَمونَ أنّه الحَقُّ مَعَ تَوكيدٍ مُضاعَف، وأنّ اللهَ غَيرُ غافِلٍ عَمّا يَعمَلون، أي أنّ العِلمَ عِندَهُم والمُراقَبةَ عِندَ الله.