آل عمران · الآية 99

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ»: النِّداءُ يُعادُ لأنَّ الفِعلَ تَغَيَّر

يُعادُ «قل» والنِّداءُ نفسُه من الآيةِ السابقة، فيَبقى المخاطَبونَ أهلَ الكتابِ بصِلتِهم المَلفوظة، فوَصفُهم مَأخوذٌ من مَتنٍ يَحمِلونَه. لكنَّ تَكرارَ النِّداءِ لا يُعيدُ السُّؤالَ نفسَه؛ الآيةُ السابقةُ سَأَلَت عن كُفرِهم بآياتِ الله، وهذه تَسألُ عن فِعلٍ يَتَّجِهُ إلى غيرِهم. الإعادةُ إذن تَفصِلُ بينَ حَجبِ الآياتِ في داخِلِ المَوقِف، وبينَ صَدِّ مَن آمنَ عن السَّبيل. ووَصفُ الكتابِ يَبقى مِعياراً يُواجَهُ به الفِعلان.

«لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ»: الحَجبُ يَنتَقِلُ إلى طريقِ الآخَر

تَسألُ «لِمَ» عن مَسوِّغِ الصَّدّ. وفي «تَصُدُّون» يُطبِقُ الصادُ إطباقاً صُلباً يَحصُرُ المَجرى، ثمّ تَحبِسُ الدالُ ما حُصِرَ بضَغطٍ ثابِتٍ ثمّ تَدفَعُه، ويُضاعِفُ تَكرارُ الدالِ هذا الحَبسَ والدَّفعَ فيَصيرُ فِعلاً يُعادُ لا مَرّةً واحِدة؛ فالصَّدُّ حَبسٌ ودَفعٌ في آن، ولذلك احتاجَ إلى مَفعولٍ يُدفَعُ ومَوضِعٍ يُدفَعُ عنه. و«عن سبيل الله» تُسَمّي المَوضِعَ الذي يَقَعُ عنه الدَّفع. السَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً دَقيقٌ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّكُ ثمّ يَمتَدُّ إلى غايته. ومَفعولُ الصَّدِّ «مَن آمن»، فمَن يُدفَعُ مُعَرَّفٌ بفِعلِ ثِقَتِه وَحدَه، ومَن يَدفَعُ مُعَرَّفٌ بصِلَتِه إلى كتاب: فِعلٌ يُقابِلُ فِعلاً.

«تَبْغُونَهَا عِوَجًا»: الطَّلبُ يَتَّجِهُ إلى تَغييرِ السَّبيل

يَعودُ الضميرُ المؤنَّثُ في «تبغونها» إلى السبيل، ويأتي «عوجاً» حالاً أو مفعولاً يَضبطُ ما يُطلبُ لها. وفي «تَبغونها» تَخرُجُ الباءُ عن حَدِّ الطَّريقِ المُستَقيم، وتَغورُ الغَينُ في طَلَبِ ما يُخالِفُه، وتَسري الياءُ بالطَّلَبِ إلى ما بَعدَه؛ والعِوَجُ انحِناءٌ يَعدِلُ الخَطَّ عن استِقامَتِه. فالمَطلوبُ هنا ليس طَريقاً أُخرى لأنفُسِهم، بل حالٌ تُطلَبُ للسَّبيلِ نَفسِها، والضميرُ المُتَّصِلُ يَجعَلُ السَّبيلَ مَحَلَّ الطَّلَب. وبهذا يَتَبَيَّنُ وَجهُ الصَّدِّ في الجُملةِ الأُولى: مَن أرادَ دَفعَ سائِرٍ عن طَريقٍ طَلَبَ أوّلاً أن تَبدوَ الطَّريقُ مُعوَجّة.

«وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ»: الصَّدُّ يَقَعُ من حاضِرينَ مُدرِكين

تأتي الواوُ بجملةِ الحال «وأنتم شهداء». نواةُ ش-ه-د المجمّدةُ «شه» هي «انتشارٌ يَخفتُ في فراغ»، ثمّ تُثبّتُ الدالُ الحضورَ وتَضبطه. و«شهداء» تَعرضُ المخاطبينَ قائمينَ بهذه الشهادة، فتَضعُ الصدَّ وطلبَ العوجِ داخلَ حالٍ من الحضورِ والإدراكِ المتصلِ بالفعل.

«وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»: السِّترُ المَطلوبُ لا يَجِدُ مَوضِعاً

تَستأنِفُ الواوُ جُملةً تَنفي الغَفلةَ عن الله. الغَفلةُ من غ-ف-ل سِترٌ كَثيفٌ يَفتَحُ مَجرىً ضَيِّقاً ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بما غابَ عن الانتباه. وجاءَ «غافل» اسماً، فكانَ النَّفيُ واقِعاً على الوَصفِ الثابِتِ لا على فِعلٍ في وَقت، ثمّ زادَته الباءُ في «بغافل» تَوكيداً بعدَ «ما». و«عما تعملون» يَربِطُ النَّفيَ بأفعالِهم الحاضِرة، فيَقَعُ النَّفيُ على مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ لا على العُموم. هكذا تَتَقابَلُ الحالان: هم شهداءُ على ما يَفعَلون، واللهُ ليس بغافلٍ عن عَمَلِهم؛ فالسِّترُ الذي طَلَبوه للسَّبيلِ لا يَجِدُ مَوضِعاً في الجِهَتَين.


حَصيلة

يُعادُ نِداءُ أهلِ الكتاب، لكنَّ المواجَهةَ تَنتَقِلُ من كُفرِ الآياتِ إلى صَدِّ مَن آمنَ عن سبيلِ الله. والصَّدُّ يُفَسَّرُ بحَرَكةٍ أُخرى: يَطلبونَ للسَّبيلِ عِوَجاً. ثمّ تَمنَعُ حالُ الشَّهادةِ أن يُقرأَ الفِعلُ غِياباً كاملاً عن الوَعي، ويأتي نَفيُ الغَفلةِ عن الله فيُثبِتُ أنَّ العَمَلَ لا يَختَفي. فالبِنيةُ كُلُّها أفعالٌ وأوصافُ أفعال: صَدٌّ وطَلبٌ يَجريانِ تحتَ شَهادةِ فاعِليهما وتحتَ عِلمٍ لا يَغفُل.