البقرة · الآية 85

﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

«ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ»: بِنيةٌ نَحويّةٌ تُلزِمُ الحاضِرَ بِفِعلِ السّالِف

وليسَ تَقديمُ «هَؤُلاءِ» على الفِعلِ «تَقتُلون» زينةً بَلاغِيّة، والاسمُ هُنا يَعمَلُ عَمَلَ الوَصفِ الثّابِت، أي: أنتُم، بِوَصفِكُمُ المُستَقِرّ، تَفعَلون. ويَحتَمِلُ التَّركيبُ أن يَكونَ «هَؤُلاءِ» هاهُنا بِمَعنى «الآن»، فيَصيرُ التَّقديرُ «ثُمَّ أنتُمُ الآنَ تَقتُلون». والوَجهانِ يَلتَقيانِ في صِفةٍ مُستَقِرّةٍ تَتَحَقَّقُ في حَضرةِ السَّمع، فلا تَنجو الأجيالُ بِأن تُحيلَ الأمرَ إلى أسلافِها، ومَن وَرِثَ البُنيةَ ثُمَّ لَم يَنقُضْها فهو شَريكٌ في فِعلِها، ومَن نَقَضَ مِيثاقاً أُخِذَ على آبائِه فقد جَدَّدَه لا ألغاه.

«تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُم» و«تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم»: النَّقضُ على البَندَينِ في نَفسِ العِبارة

والعِبارةُ تُعيدُ الصِّياغةَ الأصلِيّةَ لِلمِيثاقِ («لا تَسفِكونَ دِماءَكُم وَلا تُخرِجونَ أنفُسَكُم») لِتَقلِبَها فِعلاً مُثبَتاً، وما كانَ نَفياً صارَ إثباتاً: «تَقتُلون»، «تُخرِجون». وأبقَتِ العِبارةُ ضَميرَ الإضافةِ «أنفُسَكُم… مِنكُم»، فلَم يَتَغَيَّرْ تَعريفُ الوَحدةِ البَشَرِيّة. والمَعنى أنَّ العَقدَ ذاتَه لا يَزالُ يَصِفُ مَن يَقتُلونَه جُزءاً مِنكُم، وكُلُّ ما جَرى أنَّكُم قَرَّرتُم أن تَتَصَرَّفوا كأنَّ العَقدَ فُسِخ. وهذا أشَدُّ من إنكارِ العَقدِ صَراحةً، لأنَّه يَحتَفِظُ بِالتَّعريفِ ويَخرِقُ حُكمَه في آنٍ واحِد.

«تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَان»: (ظ ه ر) تَكاتُفٌ و(أ ث م) ثِقَلٌ ذاتيٌّ و(ع د و) تَجاوُزٌ لِلحَدّ

والجِذرُ (ظ ه ر) يَحمِلُ القُوّةَ المَسنودةَ إلى ظَهر، فالتَّظاهُرُ مُشارَكةٌ في الفِعلِ بِالوَزنِ والعَدَد، ولا يَقِفُ عِندَ الرَّأي. ثُمَّ فَرَّقَتِ الآيةُ بَينَ أمرَين: «الإثم» من (أ ث م)، وهو ما يُبطِئُ صاحِبَه ويُثقِلُه من داخِلِه، و«العُدوان» من (ع د و)، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ إلى الغَير. فالتَّظاهُرُ يُنتِجُ فَسادَينِ مَعاً، لا أذىً في جِهةٍ واحِدة: فَساداً داخِلَ الفاعِلِ (إثمٌ يَتَراكَم) وفَساداً خارِجَه (عُدوانٌ يَنتَشِر). وهذا الفَرقُ الدَّقيقُ يَحسِمُ الالتِباسَ الذي يَقَعُ فيه الظّالِمُ حينَ يَظُنُّ عُدوانَه خَفيفاً لأنَّه جَماعِيّ، والحَقُّ أنَّه مُضاعَفٌ لأنَّه كذلك.

«تُفَادُوهُم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكُم إِخْرَاجُهُم»: (ف د ي) فَصلٌ ثُمَّ وَصلٌ يَكشِفُ التَّناقُض

والجِذرُ (ف د ي) نَواتُه «فَد»، وهي فَصلُ ثَمَنٍ مَقصود، ثُمَّ تَأتي الياءُ بِاتِّصالٍ يَعودُ إلى المَفدِيّ، فالفِداءُ يُحَرِّكُ المالَ لاستِعادةِ رابِطةِ أُخُوّة. والمُفارَقةُ أنَّ البَندَينِ يَأتِيانِ من الكِتابِ نَفسِه: مَنعُ الإخراج، ووُجوبُ فَكِّ الأسير، فهُم يُخرِجونَ فَريقاً مِنهُم من دِيارِهِم، ثُمَّ إذا أتَوهُم أُسارى فادَوهُم. والكِتابُ واحِد، والبَندانِ مُتَّسِقانِ مَعاً، والذي يَختَلُّ إرادةُ التَّطبيق. فالفِداءُ هُنا يَفضَحُ الإخراج، إذ لَو كانَ الإخراجُ مَشروعاً لَم يَلزَمْ تَصحيحُ أثَرِه.

«أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض»: الإيمانُ الانتِقائيُّ كُفرٌ كامِل

وقد تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ من (أ م ن) إعطاءُ الأمان، وأنَّ الكُفرَ من (ك ف ر) تَغطِيةُ ما يُعلَم، فمَعنى العِبارة: تَمنَحونَ الأمانَ لِبَندٍ يَنفَعُكُم وتُغَطّونَ بَنداً يُكَلِّفُكُم. وهذه الانتِقائِيّةُ كُفرٌ كامِلٌ بِالكِتابِ من حَيثُ هو وِحدة، وليسَت نِصفَ إيمان، لأنَّ الكِتابَ ليسَ قائِمةَ خِيارات. وتَنسَحِبُ هذه القاعِدةُ على كُلِّ مَن يَتَعامَلُ مَعَ النَّصِّ أداةً في يَدِه، يَستَخدِمُه حَيثُ يَنفَع، ويُعَطِّلُه حَيثُ يُلزِم. والقَضِيّةُ بِنيَوِيّةٌ لا حادِثةٌ تاريخِيّة، وما يُنسَبُ إلَيها من واقِعةٍ مَخصوصةٍ صورةٌ واحِدةٌ من نَمَطٍ يَتَكَرَّر.

«خِزْيٌ في الدُّنيا + أَشَدُّ العَذاب»: جَزاءٌ مَنظومٌ لا عُقوبةٌ مُنفَرِدة

والجِذرُ (خ ز ي) يَحمِلُ انكِشافَ السَّوأةِ أمامَ النَّظَر، فالخِزيُ في الدُّنيا انفِضاحٌ اجتِماعِيٌّ، وليسَ شُعوراً باطِنِيّاً: الأُمّةُ التي تَخرِقُ مِيثاقَها يَظهَرُ انفِكاكُها في عَلاقاتِها فيَراها الكُلّ. ثُمَّ جاءَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ، فانتَظَمَ الجَزاءُ في طَورَينِ تَحمِلُهُما العِبارةُ نَفسُها: انفِضاحٌ في الدُّنيا، وعَذابٌ أشَدُّ في الآخِرة. وتَفصيلُ هذا الطَّورِ الآخِرِ تَتَوَلّاه الآيةُ التّاليةُ في مَوضِعِها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «هَؤُلاءِ» وَصفٌ يَلحَقُ بِكُلِّ جيلٍ يُجَدِّدُ النَّقض، و(ظ ه ر) تَكاتُفٌ يُنتِجُ إثماً داخِلاً وعُدواناً خارِجاً، و(ف د ي) فِداءٌ يَفضَحُ إخراجاً سَبَقَه، و«بِبَعضِ الكِتاب» كُفرٌ كامِلٌ حينَ تُعَطَّلُ وِحدةُ النَّصّ، و(خ ز ي) انفِضاحٌ اجتِماعِيٌّ لا شُعورٌ باطِنِيّ.


حَصيلة

«ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ» بِنيةٌ نَحوِيّةٌ تُلزِمُ الحاضِرَ بِفِعلِ السّالِف، و«هَؤُلاءِ» صِفةٌ مُستَقِرّةٌ تَتَحَقَّقُ في لَحظةِ السَّمع، لا إحالةٌ تاريخِيّةٌ فَحَسب. والصّورةُ التي تَرسُمُها الآيةُ تَناقُضٌ في الاقتِصادِ الأخلاقِيّ: المِيثاقُ يَمنَعُ قَتلَ أنفُسِكُم وإخراجَها، ومَعَ ذلك يَجري القَتلُ والإخراجُ مَعَ الفِداءِ في مَوضِعٍ واحِد، وهُم يُخرِجونَ ثُمَّ يَفدونَ المُخرَجَ حينَ يَقَعُ أسيراً، وهذا تَناقُضٌ بَيِّنٌ يَكشِفُه السُّؤالُ الجَوهَرِيّ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. والإيمانُ بِبَعضٍ والكُفرُ بِبَعضٍ انتِقاءٌ لِما يُناسِبُ المَصلَحةَ الآنِيّة، وليسَ إيماناً. والجَزاءُ مُرَكَّب: خ-ز-ي في الحَياةِ الدُّنيا (انكِشافُ السَّوأةِ أمامَ النّاظِرينَ لا خَفاءَ مَعَه)، وأشَدُّ العَذابِ في الآخِرة. والدَّقيقةُ أنَّ نَفيَ الغَفلةِ يَختِمُ الآيةَ بَعدَ الحَديثِ عن فِعلٍ اجتِماعِيٍّ مُرَكَّب، واللهُ يَرى البُنيةَ كُلَّها، ولا يَرى الإخراجَ والفِداءَ في لَحظَتَيهِما المُنفَصِلَتَين. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: التَّناقُضُ في الاقتِصادِ الأخلاقِيِّ دَورٌ يَكشِفُ أنَّ الكِتابَ صارَ أداةَ انتِقاءٍ لا مَصدَرَ التِزام.