آل عمران · الآية 178

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ

«وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا»: التَّقديرُ يَبدَأُ من بَصَرٍ مَحجوب

تَعطِفُ الواوُ نهياً، ونونُ التوكيدِ تُثقِّلُ الفعلَ «يحسبنّ». والحسبانُ من ح-س-ب، وأصلُه احتواءٌ باطنٌ يَدخُلُ مجرىً دقيقاً ثمّ يَتَّصلُ بنتيجة، فيَحمِلُ تقديراً يَجمعُ مقدّماتِه. والفاعلُ هو الموصولُ الذي عرّفتْه صلتُه بفعلِ «كفروا»، فحدُّه فِعلٌ وقعَ منهم وثبت. والنهيُ واقعٌ على الحكمِ المحدَّدِ الذي يأتي في المصدرِ المؤوّلِ بعدَه، ولا يَمنعُ كلَّ تفكيرٍ لهم.

«أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ»: امتِدادُ المُهلةِ ليسَ خَيراً للنَّفس

والمصدرُ المؤوّلُ من «أنّ» وجملتِها يسدُّ مفعولَي الحسبان. و«ما» موصولٌ في «ما نملي لهم»، والإملاءُ من م-ل-و، ومادّتُه ضمٌّ يَتعلّقُ ثمّ يُفضي ممتدّاً، فيَحمِلُ إمهالاً يَتركُ المَدى مفتوحاً. ونونُ العظمةِ تَجعلُ الفعلَ لله، واللامُ تَجعلُهم متلقّيه. والخبرُ «خير لأنفسهم» هو الحكمُ المنهيُّ عنه، فلا يُستنتَجُ من طولِ الإمهالِ وحدَه أنّه منفعةٌ لهم.

«إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا»: الزِّيادةُ في الإثمِ تَكشِفُ المَهلَة

ثمّ تُعيدُ «إنّما» الفعلَ نفسَه بحصرٍ وتوكيد: إنما نملي لهم، والتكرارُ يَمنعُ التباسَ الفاعلِ والمتلقّي، ثمّ تَربطُ لامُ الغايةِ الإملاءَ بازديادِهم إثماً. والزيادةُ من ز-ي-د، وهو اكتِنازٌ مُتَضاغِطٌ فَوقَ ما كانَ ثمّ يُحبَسُ مَعَه ثابِتاً، وصيغةُ الافتعالِ تُدخِلُهم في تزايدٍ يقعُ عليهم فعلُه. و«إثماً» تمييزٌ يُسمّي جِنسَ الزيادةِ نفسَه، فيَحصرُ ما يَنمو فيهم في هذا الجِنس، ويَجعلُ المهلةَ مَجالَ نموِّه.

«وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ»: الخاتمةُ تَربطُ المآلَ بالإهانة

وبالواو عُطفت جملةٌ اسميّةٌ يتقدّمُ فيها «لهم» على «عذاب». والوصفُ «مهين» من ه-و-ن، ومدارُه على خِفّةٍ في القَدرِ تَسكُنُ الباطِنَ ثمّ تَنبعثُ إلى ضعفٍ ظاهر، وصيغةُ الإفعالِ في أصلِ الوصفِ تَحملُ إيقاعَ الهوان. ومجيءُ الوَصفِ اسمَ فاعلٍ يَجعلُ الإهانةَ عاملةً في صاحبِها ما دامَ العذابُ قائماً، لا لحظةَ إذلالٍ تَمضي ثمّ تُنسى. وتقديمُ «لهم» يَختصُّهم بالمآل، وطبيعةُ العذابِ المُهينةُ تُقابلُ خيرَ الأنفسِ الذي توهّموه في امتدادِ الإمهال.


حَصيلة

يَنهى النصُّ الذين عرّفَهم فعلُ الكفرِ عن حسبانِ الإملاءِ لهم خيراً لأنفسِهم، ثمّ يُعيدُ الفعلَ بالحصرِ ليَكشفَ الغايةَ الملفوظة: ليزدادوا إثماً. والضميرُ في «لهم» يُعيدُ أصحابَ الكفرِ إلى موضعِ التلقّي مرّتَين: يتلقّونَ الإمهالَ أوّلاً، ثمّ يَثبتُ لهم العذابُ في النهاية، وبينهما تَظهرُ زيادةُ الإثمِ المسمّى في الآيةِ فقط. والمهلةُ باقيةٌ مقروءةً من لامِ الغايةِ التي عَلَّقتْها بالزيادةِ وحدَها، ويأتي المآلُ في جملةٍ موجزة: لهم عذابٌ مهين. وبهذا يُنقَضُ ظاهرُ الامتدادِ الذي قد يُحسبُ خيراً، ويُقرأُ من فاعلِ الإملاءِ ولامِ الغايةِ ونوعِ الزيادةِ ووصفِ العذاب، وهي أربعةُ حدودٍ يَنطقُ بها النصُّ نفسُه.