الفجر · الآية 16

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ

«وأمّا إذا ما ابتَلاهُ»: شَرطٌ يُوازِنُ شَرطاً قَبلَه

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«أمّا»، وهي أداةُ تَفصيلٍ تُقابِلُ ما تَقَدَّمَها، فقَبلَها حالٌ، وهذه حالٌ ثانيةٌ تُوازِنُها. و«إذا ما» تَجعَلُ الكَلامَ مُعَلَّقاً على وُقوعِ الابتِلاءِ مَتى وَقَع، فالعِبارةُ تُقَرِّرُ قاعِدةً في رَدِّ الفِعلِ تَتَكَرَّرُ كُلَّما حَضَرَ شَرطُها، ولم تُسَقْ خَبَراً عن حادِثةٍ بِعَينِها.

وأصلُ ب-ل-و اختِبارٌ يَنكَشِفُ بِه باطِنُ الشَّيء، ومِنه «بَليَ الثَّوبُ» إذا أخلَقَه طُولُ الاستِعمالِ فظَهَرَ مَعدِنُه، و«بَلَوتُ الشَّيءَ» إذا خَبَرتُه حتّى بانَ ما فيه. فالابتِلاءُ هنا امتِحانٌ يَستَخرِجُ ما في النَّفسِ ويَكشِفُه، يَستَوي فيه ما يَسُرُّ وما يَشُقّ، وليسَ عُقوبة.

«فَقَدَرَ عليه رِزقَهُ»: تَضييقٌ بِقَدَرٍ مَعلوم

ومَدارُ ق-د-ر على ضَبطِ الشَّيءِ بِمِقدارِه، ومِنه «قَدَرَ الشَّيءَ» إذا جَعَلَه على مِقدار، و«القَدَرُ» ما يُضبَطُ بِه الأمرُ فلا يَزيدُ ولا يَنقُص. وحَرفُ «على» يُضيفُ إلى الضَّبطِ مَعنى الضّيقِ والتَّضييق، فـ«قَدَرَ عليه» أي ضَيَّقَ عليه وجَعَلَ نَصيبَه مَحدوداً مَقبوضاً. فالرِّزقُ باقٍ لم يَنقَطِع، وقد قُبِضَ إلى قَدَرٍ يُحِسُّ بِه صاحِبُه ضيقاً.

و«رِزقَهُ» من ر-ز-ق، وهو ما يَجري إلى الحَيِّ مِمّا يُقيمُه، فالرِّزقُ في ذاتِه عَطاءٌ يَنزِلُ، اتَّسَعَ أو قُبِض. والتَّضييقُ عليه شَكلٌ من أشكالِ الابتِلاءِ كما كانَ التَّوسيعُ شَكلَه الآخَر، فكِلاهُما عَطاءٌ مَقدور، وكِلاهُما اختِبارٌ يَكشِفُ ما في القَلب.

«فيَقولُ رَبّي أهانَنِ»: نِسبةُ الإهانةِ إلى الرَّبّ

ثُمَّ يَأتي جَوابُ النَّفسِ المُمتَحَنةِ نُطقاً: «رَبّي أهانَنِ». ومَدارُ ه-و-ن على مَعنى الخِفّةِ وسُقوطِ القَدْر، فمَن أُهينَ فقد جُعِلَ في نَفسِه حَقيراً ساقِطَ المَنزِلة. وهذا الكائِنُ يَقرَأُ قَبضَ الرِّزقِ إهانة، فيَجعَلُ ضيقَ النَّصيبِ دَليلاً على هَوانِه عِندَ رَبِّه، ويَنسِبُ الفِعلَ إلى «رَبّي»، أي إلى المُرَبّي القائِمِ على أمرِه، فيُخطِئُ في تَأويلِ صُنعِه بِه.

والخَطَأُ هنا في القِراءةِ لا في الواقِعة، فالضّيقُ ابتِلاءٌ كما كانَتِ السَّعةُ ابتِلاءً، غَيرَ أنَّ النَّفسَ تَقرَأُ الأوَّلَ هَواناً والثّانيَ كَرامة، فتَجعَلُ مِقدارَ الرِّزقِ ميزاناً لِمَنزِلَتِها عِندَ الله، وهو ميزانٌ زائِف، إذِ العَطاءُ والمَنعُ كِلاهُما قَدَرٌ يُختَبَرُ بِه، لا حُكمٌ بِكَرامةٍ أو هَوان.


حَصيلة

تُفَصِّلُ الآيةُ بِـ«أمّا» حالاً تُوازِنُ حالاً قَبلَها، وتُعَلِّقُها بِـ«إذا ما» على وُقوعِ الابتِلاءِ مَتى وَقَع. والابتِلاءُ من ب-ل-و، وهو اختِبارٌ يَكشِفُ الباطِن، فالتَّضييقُ والتَّوسيعُ كِلاهُما امتِحان. و«قَدَرَ عليه» من ق-د-ر مَعَ «على»، أي ضَبطٌ يَؤولُ إلى ضيقٍ وقَبضِ النَّصيب، و«رِزقَهُ» من ر-ز-ق، وهو ما يَجري إلى الحَيِّ فيُقيمُه. ثُمَّ يَنطِقُ بِـ«أهانَنِ» من ه-و-ن، وفيه سُقوطُ قَدْرٍ وخِفّة. فالآيةُ تَكشِفُ نَفساً تَقرَأُ قَبضَ الرِّزقِ هَواناً وتَنسِبُه إلى رَبِّها، فتَجعَلُ مِقدارَ العَطاءِ ميزانَ مَنزِلَتِها، وتُخطِئُ في ذلك، لأنَّ الضّيقَ والسَّعةَ قَدَرٌ يُختَبَرُ بِه، لا حُكمٌ بِكَرامةٍ أو هَوان.