الحِلم / الحَليم
**مُحتَكٌّ مُحتَوىً في الجَوفِ لا يُطلَقُ على مَن يَستَحِقُّه**. لَيسَ الحِلمُ في الجَذرِ خُلُوَّ الباطِنِ مِمّا يوجِبُ الأخذ، بَل احتِواءَ ذلك وتَضييقَ مَخرَجِه حتّى لا يَنفُذَ دَفعة. ولِذلك جاءَ من الجَذرِ نَفسِه «الحُلُم» لِما يَجري في باطِنِ النّائِمِ كُلِّه وجَسَدُه ساكِنٌ لا يَصدُرُ عنه فِعل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ، فيَجري
فيه جَرَياناً مُحتَكّاً جافّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. شِحنَتُه: احتِواءٌ في مَضيقٍ باطِنٍ لا يَخرُجُ إلّا بِاحتِكاك.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، والصَّوتُ
المَجهورُ يَنسابُ مُمتَدّاً من جانِبَيه. شِحنَتُه: حَوزٌ يَلتَصِقُ ثُمَّ يَنبَسِطُ ويَنتَشِر.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ المَجهورَ في جَوفٍ
مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: إمساكٌ في جَوفٍ مُغلَق، والنَّفاذُ منه بَطيءٌ مُستَرسِلٌ لا دَفعة.
النَّواةُ حَل (ح + ل) = ما احتُبِسَ في مَضيقٍ باطِنٍ ثُمَّ وَجَدَ مَوضِعاً يَتَعَلَّقُ بِه فانبَسَطَ فيه وانطَلَق. ومنه حَلَّ بِالمَكان (نَزَلَ فيه فاتَّسَعَ لَه)، وحَلَّ العُقدة (أطلَقَ ما كانَ مَشدوداً فانبَسَط)، والحِلّ لِما رُفِعَ عنه الإمساك. فالنَّواةُ في نَفسِها إطلاقٌ بَعدَ حَبس.
والإغلاقُ بِـم يَرُدُّ هذا الإطلاقَ إلى جَوفٍ مُغلَق: تَنطَبِقُ الشَّفَتانِ على ما كانَ سيَنفَلِت، فلا يَخرُجُ إلّا رَنيناً مُمتَدّاً بَطيئاً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما كانَ سيَنطَلِقُ فأُمسِكَ في جَوفِه فلم يَنفُذْ إلّا على مُهلَةٍ أو لم يَنفُذ. وهذا هو الفَرقُ بِعَينِه بَينَ «الحِلّ» و«الحِلم»: النَّواةُ واحِدةٌ والحَرفُ الثّالِثُ هو الذي يُطلِقُ أو يُمسِك.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الحُلُم: ما يَراه النّائِم. تَجري الصُّوَرُ كُلُّها في جَوفٍ مُغلَقٍ
والجَسَدُ ساكِنٌ لا يَصدُرُ عنه فِعل، فهي صورةُ الجَذرِ تامّةً: حَرَكةٌ مَحبوسةٌ لا تَنفُذُ إلى العَمَل.
- الاحتِلامُ وبُلوغُ الحُلُم: الوَقتُ الذي يَبدَأُ فيه المَخزونُ في
الجَوفِ يَنفُذ، فسُمِّيَ البُلوغُ بِأوَّلِ نُفوذٍ لِما كانَ مُمسَكاً.
- الحَلَمة: رأسُ الثَّدي، مَخرَجٌ ضَيِّقٌ يَخرُجُ منه ما اختَزَنَه
الجَوفُ قَطرةً قَطرةً لا دَفعةً واحِدة.
- تَحَلَّمَ: تَكَلَّفَ الحِلمَ وأمسَكَ نَفسَه على مَشَقّة، وفي الصِّيغةِ
دَليلٌ على أنَّ في الباطِنِ ما يَدفَعُ إلى الخُروج.
- الأحلام بِمَعنى العُقول: العَقلُ عِندَ العَرَبِ اسمُ إمساك (عَقَلَ =
شَدَّ وأمسَك)، فسُمِّيَ بِالجَذرِ الذي يُمسِكُ ما يَحتَكُّ في الباطِن.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ح-ل-م: مُحتَكٌّ في مَضيقِه مُمسَكٌ في جَوفِه لا يُطلَق. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويَضبِطُ قَبلَ ذلك مَوضِعَها: الحِلمُ لا يُقالُ حَيثُ لا شَيءَ يَحتَكُّ في الباطِن، فالحاءُ تَحمِلُ الاحتِكاكَ في المَضيقِ في نَفسِ الجَذر. ولِذلك جاءَتِ المَواضِعُ الخَمسةُ كُلُّها بَعدَ مَوطِنٍ يَستَحِقُّ صاحِبُه أن يُؤخَذَ فلا يُؤخَذ: يَمينٌ لَغَتْ، وخاطِرٌ أُكِنَّ في النَّفس، وصَدَقةٌ أُتبِعَت أذىً، وتَوَلٍّ يَومَ التَقى الجَمعان، وخَلقٌ لا يَفقَهُ تَسبيحَ ما حَولَه (١٧:٤٤). فالجَذرُ يُقرَأُ هُنا من جِهَةِ المَخرَجِ المُغلَقِ لا من جِهَةِ الجَوفِ الفارِغ.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- حَلِيمٌ (على وَزنِ فَعيل، صِفةٌ مُشَبَّهة، مَرفوعةً خَبَراً): أربَعةُ
مَواضِع. ووَزنُ فَعيل يُثبِتُ الوَصفَ لازِماً في مَوصوفِه لا حادِثاً في وَقت، فلا يُقالُ حَليمٌ لِمَن أمسَكَ مَرّةً بَل لِمَن كانَ الإمساكُ هَيئةً فيه.
- حَلِيمًا (الوَزنُ نَفسُه مَنصوباً خَبَراً لِـ«كان»): مَوضِعٌ واحِد
(١٧:٤٤). والوَزنُ لم يَتَبَدَّل، وإنَّما دَخَلَ على الوَصفِ ناسِخٌ يَجعَلُه خَبَراً عن كَونٍ مُستَمِرٍّ («إنَّه كانَ»)، فيُزادُ على اللُّزومِ الذي في فَعيل لُزومٌ في الزَّمَن.
- ولَم يَرِد في المُسَجَّلِ من هذا الجَذرِ فِعلٌ ماضٍ ولا مُضارِعٌ ولا
مَصدَرٌ ولا جَمع. وهذا الغِيابُ يَعمَلُ في القِراءة: العَفوُ يَرِدُ فِعلاً واقِعاً في وَقتٍ («عَفَونا»، «عَفا»)، والحِلمُ لا يَرِدُ إلّا وَصفاً. وفي ٣:١٥٥ يَجتَمِعُ الوَجهانِ في آيةٍ واحِدة، فيُذكَرُ الفِعلُ ثُمَّ يُذكَرُ الوَصفُ بَعدَه، فيُقرَأُ الفِعلُ من الوَصفِ ولا يُقرَأُ الوَصفُ من الفِعل.
- والوَصفُ في المَواضِعِ الخَمسةِ كُلِّها في فاصِلةِ الآية، ولا يَقَعُ
مُفرَداً في واحِدٍ منها بَل يَصحَبُه اسمٌ آخَر. وتَرتيبُه لَيسَ واحِداً: في أربَعةٍ يُقَدَّمُ عليه («غَفور» ثَلاثاً و«غَنِيّ» مَرّةً)، وفي ١٧:٤٤ يَتَقَدَّمُ هو ويَتَأَخَّرُ «غَفوراً». فالغالِبُ أن تَذكُرَ الآيةُ مَوضِعَ الأخذِ في أوَّلِها ثُمَّ تَختِمَ بِمَن لَه الأخذُ فلا يَأخُذ، والمَوضِعُ الخامِسُ يَقلِبُ التَّرتيبَ ولا يَقلِبُ المَعنى.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الجَذرِ (مُحتَكٌّ مُمسَكٌ لا
يُطلَق)، ووَزنُ فَعيل يُضيفُ إليها الثَّباتَ واللُّزوم. ولَو وَرَدَ
الجَذرُ فِعلاً لَصارَ الإمساكُ واقِعةً تُؤَرَّخ، وهو غَيرُ ما يَحمِلُه
المُسَجَّل.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
sabr(الصَّبر، ص-ب-ر): إمساكُ وِعاءِ النَّفسِ ثابِتاً تَحتَ الضَّغطِ
حتّى لا يَنسَكِبَ ما فيه. والفَرقُ في جِهَةِ الإمساكِ لا في الإمساكِ نَفسِه: الصَّبرُ إمساكُ المَرءِ نَفسَه عن أن تَنكَسِر، والحِلمُ إمساكُه عن غَيرِه أن يَنالَه ما استَحَقّ. ولِذلك يُصبَرُ على الجوعِ وعلى المَرَضِ وعلى ما لا فاعِلَ لَه، ولا يُتَصَوَّرُ حِلمٌ بِلا طَرَفٍ ثانٍ كانَ يُؤخَذ. ومن هُنا أيضاً كانَ الصَّبرُ مُحايِداً في جَذرِه (يُصبَرُ على النّارِ كَما يُصبَرُ على البَأساء) ولم يَقَعِ الحِلمُ في المُسَجَّلِ إلّا لِمَن لَه الأخذُ فلم يَأخُذ.
afw(العَفو، ع-ف-و): مَحوُ الأثَرِ بَعدَ وُقوعِه حتّى يَستَوِيَ
السَّطح. والحِلمُ سابِقٌ عليه في التَّرتيب: يُمسِكُ الأخذَ قَبلَ أن يَقَع. فالعَفوُ يُنهي والحِلمُ يُمهِل، ولِذلك جازَ أن يَجتَمِعا في آيةٍ واحِدةٍ (٣:١٥٥) بِلا تَكرارٍ في المَعنى.
ghufran(الغُفران، غ-ف-ر): سَترٌ بِغِطاءٍ يَمنَعُ ظُهورَ ما وَقَع.
فتَنتَظِمُ الثَّلاثةُ في خَطٍّ واحِدٍ بِثَلاثِ مَواقِع: الحِلمُ يُمسِكُ اليَدَ عن الأخذ، والغُفرانُ يَضَعُ الغِطاءَ على ما وَقَع، والعَفوُ يَكنِسُ الأثَر. ولِذلك اقتَرَنَ الاسمانِ في أربَعةٍ من خَمسة: «غَفورٌ حَليم» ثَلاثَ مَرّاتٍ و«حَليماً غَفوراً» مَرّةً في ١٧:٤٤، وهُما اسمانِ لِزَمَنَينِ لا لِمَعنىً واحِد. وانقِلابُ التَّرتيبِ في المَوضِعِ الرّابِعِ يُوافِقُ مَوضوعَه: هُناكَ ذَنبٌ وَقَعَ فبُدِئَ بِالسَّتر، وهُنا عَجزٌ عن فِقهٍ لم يُوصَفْ بِذَنبٍ أصلاً فبُدِئَ بِالإمساك.
ghayz(الغَيظ، غ-ي-ظ): ما يَغلي في الصَّدر. وهو المادَّةُ التي
يَعمَلُ فيها الحِلمُ في الجانِبِ البَشَريّ، والقرآنُ يُسَمّي حَبسَه في مَوضِعِه كَظماً لا حِلماً (٣:١٣٤ «والكاظِمينَ الغَيظ»). فالكَظمُ اسمُ الفِعلِ في الغَيظ، والحِلمُ اسمُ الهَيئةِ التي يَصدُرُ عنها.
المَواضع: مَواقعُ الحِلمِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٢٥ ﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ بَعدَ فِعلِ الأخذِ نَفسِه مَذكوراً صَريحاً مَرَّتَينِ في الآية («لا يُؤاخِذُكُم»، «ولكِن يُؤاخِذُكُم»)، فيُقرَأُ الحِلمُ في مَوضِعِه لا في تَفسيرِه: ما يُمسَكُ هو المُؤاخَذة. والآيةُ تُقَسِّمُ اليَمينَ قِسمَين، فتَرفَعُ الأخذَ عن اللَّغوِ رَفعاً وتُثبِتُه على ما كَسَبَه القَلب، ثُمَّ تَختِمُ بِالحِلمِ على القِسمِ الثّاني وَحدَه: لا حِلمَ فيما لا أخذَ فيه أصلاً. انظُر اللَّغو والكَسب.
- ٢:٢٣٥ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: ما يَعمَلُ فيه الحِلمُ هُنا لم يَخرُجْ إلى فِعلٍ أصلاً، بَل هو «ما أكنَنتُم في أنفُسِكُم». وقَبلَه بِجُملةٍ واحِدةٍ «واعلَموا أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما في أنفُسِكُم فاحذَروه»، فيَجتَمِعُ في نَفَسٍ واحِدٍ أمرانِ بِالعِلم: اعلَموا أنَّه يَعلَمُ ما في النُّفوس، واعلَموا أنَّه غَفورٌ حَليم. فيَنقَطِعُ تَوَهُّمُ أنَّ الحِلمَ خَفاءٌ أو غَفلة: الإمساكُ يَقَعُ مَعَ تَمامِ الإحاطة، وهو الفَرقُ بَينَ أن يُترَكَ الشَّيءُ لِأنَّه لم يُعلَمْ وأن يُترَكَ وقد عُلِم. انظُر النَّفس.
- ٢:٢٦٣ ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: يَتَبَدَّلُ الاسمُ المُقتَرِنُ بِالحِلمِ لِأوَّلِ مَرّة، فيَقومُ «غَنِيّ» مَقامَ «غَفور»، ويَتَبَدَّلُ مَعَه ما يُمسَكُ عنه: هُنا أذىً أُتبِعَت بِه صَدَقة. والغِنى يُبَيِّنُ لِمَ لا يُؤخَذُ بِه صاحِبُه على وَجهِ الاضطِرار: مَن لا يَحتاجُ إلى العَطاءِ لا يَنالُه نَقصُ العَطاء. والآيةُ تَطلُبُ من الإنسانِ في صَدرِها ما تَصِفُ اللهَ بِه في خِتامِها: أن يُؤثِرَ القَولَ المَعروفَ على عَطاءٍ يَتبَعُه أذى. فيَنزِلُ الحِلمُ من الوَصفِ الإلهيِّ إلى مَوضِعِ الأسوةِ في مُعامَلةِ النّاس، وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَفعَلُ ذلك. انظُر الصَّدَقة والأَذى.
- ٣:١٥٥ ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: يَجتَمِعُ العَفوُ فِعلاً ماضِياً مُؤَكَّداً («ولَقَد عَفا») والحِلمُ وَصفاً لازِماً في آيةٍ واحِدة، فيَظهَرُ التَّرتيبُ بَينَهُما: الوَصفُ اللازِمُ هو ما يَصدُرُ عنه الفِعلُ الواقِع، لا العَكس. والمَوضِعُ الأوَّلُ الذي يَكونُ فيه المُمسَكُ عنه فِعلاً ظاهِراً في مَوقِفٍ عامّ (تَوَلٍّ يَومَ التَقى الجَمعان) بَعدَ أن كانَ يَميناً لاغِيَةً وخاطِراً في النَّفسِ وأذىً في عَطِيّة. ونِسبةُ الاستِزلالِ إلى الشَّيطانِ لا تَرفَعُ الكَسبَ عن أصحابِه، فالآيةُ تُقَيِّدُها بِـ«بِبَعضِ ما كَسَبوا»، فيَبقى مَوضِعٌ لِلأخذِ يَعمَلُ فيه الحِلم. انظُر العَفو والشَّيطان.
- ١٧:٤٤ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: الحِلمُ يَتَقَدَّمُ الغُفران. الجَديدُ: يَنقَلِبُ التَّرتيبُ الذي اطَّرَدَ في المَواضِعِ الأربَعةِ قَبلَه، فيُذكَرُ الحِلمُ أوَّلاً والغُفرانُ ثانِياً، ويُقرَأُ الانقِلابُ من مَوضوعِ الآية: ما سَبَقَ لَيسَ ذَنباً وَقَعَ فيُسْتَرَ بَل قُصوراً في الفِقه («لا تَفقَهونَ تَسبيحَهُم»)، والقُصورُ يُمسَكُ عنه قَبلَ أن يُسْتَر. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه الوَصفُ مَنصوباً خَبَراً لِـ«كان»، فيُنقَلُ الحِلمُ من خَبَرٍ عن حالٍ في مَقامٍ إلى خَبَرٍ عن كَونٍ مُستَمِرّ. وأوسَعُ ما أُمسِكَ عنه في المُسَجَّلِ هُنا: لا يَمينٌ ولا صَدَقةٌ ولا تَوَلٍّ، بَل جُملةُ مَن لا يَفقَهُ تَسبيحَ ما حَولَه، وهُم «النّاسُ» بِلا تَخصيص. انظُر الغُفران.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الغُفران في ٢:٢٢٥ و٢:٢٣٥ و٣:١٥٥: الاسمانِ يَتَلازَمانِ
بِلَفظٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّات، وهُما جِهَتانِ لِزَمَنَينِ: الغُفرانُ يَقَعُ على ما وَقَع، والحِلمُ على ما استُحِقَّ ولم يُوقَع. فيُقرَأُ الاقتِرانُ سَدّاً لِلجِهَتَينِ لا تَأكيداً.
- مَعَ العَفو في ٣:١٥٥: العَفوُ مُصَرَّحٌ بِه فِعلاً في الآيةِ
نَفسِها التي تَختِمُ بِالحِلمِ وَصفاً، فتَجتَمِعُ الكَلِمَتانِ في مَوضِعٍ واحِدٍ ويَظهَرُ أنَّهُما لَيسَتا تَرادُفاً: أحَدُهُما ما فُعِلَ بِهِم والآخَرُ ما هو عليه سُبحانَه.
- مَعَ القَلب في ٢:٢٢٥: المُؤاخَذةُ تُنقَلُ من اللِّسانِ إلى القَلب
ثُمَّ يُختَمُ بِالحِلم، فيَقَعُ الإمساكُ على أضيَقِ ما يُؤخَذُ بِه وأخفاه.
يُذَيِّلُه: الغِنى يَرفَعُ الحاجةَ إلى الصَّدَقة، والحِلمُ يُمسِكُ الأخذَ بِالأذى الذي أُتبِعَت بِه.
- مَعَ الشَّيطان في ٣:١٥٥: نِسبةُ الاستِزلالِ إلى الشَّيطانِ
تُخَفِّفُ ولا تُسقِط، لِأنَّ الآيةَ تَحُدُّها بِـ«بِبَعضِ ما كَسَبوا»، فيَبقى لِلحِلمِ مَحَلٌّ يَعمَلُ فيه.
الإشكالات المَفتوحة
- **لِمَ لا يَرِدُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ إلّا وَصفاً على وَزنِ فَعيل، ولا
يَرِدُ فِعلاً؟** المَوقِفُ العامِل: الحِلمُ هَيئةٌ يَصدُرُ عنها الإمساك، وما يُذكَرُ فِعلاً هو أثَرُه (العَفو، رَفعُ المُؤاخَذة). ولَو وَرَدَ فِعلاً لَصارَ واقِعةً مُؤَرَّخةً في وَقت، وخَمسةُ مَواضِعَ لا تَكفي لِتَعميمِ هذا على القرآنِ كُلِّه. مَفتوح.
- **«غَنِيٌّ حَليم» في ٢:٢٦٣ مُقابِلَ «غَفورٌ حَليم» في الثَّلاثةِ
الباقية: أهو تَبديلُ العِلّةِ أم تَبديلُ الجِهَة؟** الظّاهِرُ أنَّ المُقتَرِنَ يُعَيِّنُ ما يُمسَكُ عنه في كُلِّ مَوضِع، فيُذكَرُ الغِنى حَيثُ كانَ المُوجِبُ عَطاءً مَشوباً، والغُفرانُ حَيثُ كانَ المُوجِبُ ذَنباً. والمَوضِعُ واحِدٌ لا يُقاسُ عليه. مَفتوح.
- الحُلُم (ما يَراه النّائِم) والحِلم: أمِن أصلٍ واحِدٍ هُما؟ المُعجَمُ
يَجمَعُهُما، وقِراءةُ الحُروفِ هُنا تُوَحِّدُهُما بِالإمساكِ في جَوفٍ مُغلَق. ولا يَقَعُ في السُّوَرِ المَنشورةِ شَيءٌ من الوَجهِ الأوَّل، فالقِراءةُ مَبنِيّةٌ على الحُروفِ وعلى كَلامِ العَرَبِ لا على مَوضِعٍ مُسَجَّل. ولَو فُصِلا لَبَقِيَت قِراءةُ المَواضِعِ الخَمسةِ قائِمةً على ح و ل و م وَحدَها. مَفتوح.
- تَقَدُّمُ الاسمِ الآخَرِ على «حَليم»: سُئِلَ فأُجيبَ بِالنَّفي.
كانَ يُقالُ إنَّ المَواضِعَ الأربَعةَ لا تُخالِفُه وإنَّها لا تَبني قاعِدة، ويُنتَظَرُ اختِبارُه في سُوَرٍ أُخرى. فلَمّا نُشِرَ الإسراءُ جاءَ ١٧:٤٤ بِـ«حَليماً غَفوراً»، فسَقَطَ اللُّزوم. والباقي بَعدَ سُقوطِه أدَقُّ مِمّا سَقَط: الاقتِرانُ لازِمٌ (لا يَرِدُ الوَصفُ مُفرَداً في خَمسةٍ من خَمسة) والتَّرتيبُ تابِعٌ لِلمَقام. مُغلَق.
- هل يَرِدُ الحَليمُ حَيثُ لا ذَنبَ أصلاً؟ ١٧:٤٤ أوَّلُ مَوضِعٍ
يَحتَمِلُ ذلك: المَذكورُ قَبلَه قُصورٌ في الفِقهِ لا مَعصِيَة. فإن كانَ القُصورُ مَوجِباً لِلأخذِ بَقِيَتِ القِراءةُ على حالِها، وإن لم يَكُنْ فالحِلمُ يَتَّسِعُ لِما دونَ الذَّنب. مَفتوح.