البقرة · الآية 225

﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

العَلاقةُ مع الآيةِ السَّابِقة: تَكمِلةُ مَنطِقِ اليَمين

ومَدخَلُ هذه الآيةِ صِلَتُها بِالآيةِ السّابِقة: الآيةُ 224 نَهَت عَن جَعلِ اللهِ عُرضةً لِلأيمان، والآيةُ 225 تَستَدرِكُ لِئَلّا يَقَعَ المُؤمِنُ في طَرَفٍ آخَرَ مِن الوَسوَسة، وهو الخَوفُ مِن كُلِّ لَفظِ «واللهِ» يَخرُجُ مِن لِسانِه.

وهذا التَّتابُعُ يَكشِفُ مَنطِقَ الشَّريعةِ في هذا البابِ كُلِّه، وهو حِفظُ اسمِ اللهِ مِن التَّوظيفِ الخاطِئِ مَعَ تَحريرِ الإنسانِ مِن المُحاسَبةِ على غَيرِ قَصدِه، والحُدودُ مَوضوعةٌ حَيثُ يَكونُ الوَعيُ حاضِراً، والرَّحمةُ مَوضوعةٌ حَيثُ يَكونُ الوَعيُ غائِباً.

(ل غ و): الكَلامُ الَّذي يَخرُجُ بلا ثَمَرَة

ومَدارُ الآيةِ على (ل غ و)، وأصلُه الصَّوتُ الخارِجُ بِلا مَعنىً مَقصود، يُقالُ «لَغا الطّائِرُ» لِصَوتِه الَّذي لا يَحمِلُ دَلالة، و«اللَّغوُ مِنَ الكَلام» ما لا فائِدةَ تَحتَه. ولِذلك وَصَفَ القُرآنُ أهلَ الجَنّةِ بِأنَّهم «لا يَسمَعونَ فيها لَغواً»، أي كَلاماً فارِغاً.

و«اللَّغوُ في الأيمان» يَشمَلُ كُلَّ لَفظِ يَمينٍ يَخرُجُ مِن اللِّسانِ عادةً ولا يَقِفُ وَراءَه قَرارٌ قَلبيٌّ حَقيقيّ، كأن يَقولَ الإنسانُ «لا واللهِ» تَعَجُّباً، أو «واللهِ ما فَعَلتُ» تَأكيداً في خِضَمِّ الحَديث، ولَم يَكُن قد نَواها يَميناً شَرعيّاً.

(أ خ ذ): المُؤاخَذةُ مُحاسَبةٌ لا عِقابٌ فَقَط

و(أ خ ذ) في صيغةِ المُفاعَلةِ «يُؤاخِذُكُم» أوسَعُ مِن مَعنى «يُعاقِبُ»، والمُؤاخَذةُ في العَرَبيّةِ حِسابٌ يُوقَفُ عِندَ الشَّخصِ لِيُؤَدِّيَ ما عَلَيه، قد يَنتَهي بِعُقوبة، وقد يَنتَهي بِتَكليفٍ أو تَصحيح. والآيةُ تُقَرِّرُ أنَّ اللهَ لا يَقِفُ عِندَ اللَّغوِ أصلاً لِيُحاسِبَ عَلَيه، ولا تَكتَفي بِنَفيِ العِقابِ عَلَيه.

وهذا الإخراجُ الكامِلُ مِن دائرةِ المُحاسَبةِ مُهِمّ، وكَثيرٌ مِن النّاسِ يَفهَمُ الآيةَ على أنَّها تَخفيفٌ في العِقاب، والحَقيقةُ أنَّها إخراجٌ كامِلٌ لِلَّغوِ مِن باحةِ المُحاسَبة، واللَّغوُ في الأيمانِ لا يَدخُلُ أصلاً في دَفتَرِ العَبد.

(ك س ب) + (ق ل ب): القَلبُ مَحَلُّ الكَسبِ الحَقيقيّ

ثُمَّ جاءَ المُقابِل: «ولكِن يُؤاخِذُكُم بِما كَسَبَت قُلوبُكُم». وأصلُ (ك س ب) التَّحصيلُ عَبرَ الجَهدِ والاختيار، يُقالُ «كَسَبَ المالَ» إذا حَصَّلَه بِعَمَل، لا إذا وَرِثَه أو أُعطِيَه.

وإضافةُ الكَسبِ إلى القَلبِ دونَ اللِّسانِ اختيارٌ دَقيق، واللِّسانُ آلةٌ تُنَفِّذ، والقَلبُ مَحَلُّ القَرار، وبِذلك تَنقُلُ الآيةُ مَحَلَّ المُحاسَبةِ مِن فَمِ الإنسانِ إلى قَلبِه، والمِعيارُ ما قَصَدَه، وليسَ ما نَطَقَ بِه، ومَن نَطَقَ بِغَيرِ ما قَصَدَ فلا شَأنَ لِلِّسانِ عَلَيه.

بِنيَةُ المُحاسَبةِ في الإسلام: القَصدُ فَوقَ الشَّكل

وقد وَضَعَت هذه الآيةُ قاعِدةً كُبرى في التَّشريعِ الإسلاميِّ كُلِّه، وهي أنَّ المُحاسَبةَ على القَصدِ لا على الشَّكلِ اللَّفظيّ، وتَنسَحِبُ هذه القاعِدةُ على أبوابٍ كَثيرة: الطَّلاقِ بِغَيرِ قَصد، واليَمينِ في الغَضَبِ الشَّديدِ الَّذي يَغيبُ فيه العَقل، والأقوالِ الَّتي تَصدُرُ في ظُروفِ الإكراهِ أو الإرهاق.

وهذا المَنهَجُ يُعادِلُ بَينَ صَرامةِ الشَّريعةِ ورَحمَتِها: الصَّرامةُ على القَصدِ المَحضِ تَجعَلُ المُلتَزِمَ مَسؤولاً عَمّا اختارَه بِوَعي، والرَّحمةُ في تَجاوُزِ الشَّكلِ تَحمي مَن يُلامِسُه اللَّفظُ ولم يَنعَقِدْ قَلبُه عَلَيه.

(غ ف ر) + (ح ل م): الخاتِمةُ تُطَمئِنُ مَن يُكثِرُ مِن كَلامِه

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«واللهُ غَفور حَليم»، وأصلُ (غ ف ر) السَّترُ مَعَ الوِقاية، وأصلُ (ح ل م) ضَبطُ النَّفسِ عَن التَّسَرُّعِ في العُقوبة، يُقالُ «حَلُمَ الرَّجُلُ» إذا مَلَكَ نَفسَه عِندَ ما يَستَدعي الغَضَب.

واقتِرانُ هذَين الاسمَينِ في خاتِمةِ آيةِ اللَّغوِ مُناسَبةٌ دَقيقة: «غَفور» يَستُرُ زَلّاتِ اللِّسان، و«حَليم» يَتَأنّى فلا يُسارِعُ إلى المُؤاخَذة. والإنسانُ الَّذي يُكثِرُ مِن الكَلامِ في الحَياةِ اليَوميّةِ أحوَجُ ما يَكونُ إلى هذَين الاسمَين، لأنَّهُما يَصونانِه مِن أن تَتَحَوَّلَ لَذّةُ الكَلامِ إلى ثِقلِ حِساب.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«اللَّغو» اسمٌ لِفِعلٍ لَفظيٍّ بِلا قَرارٍ قَلبيٍّ تَحتَه، و«المُؤاخَذة» اسمٌ لِوَقفةِ الحِسابِ الَّتي لا تُقيمُها الآيةُ لِلَّغوِ أصلاً، و«كَسبُ القَلب» اسمٌ لِلاختيارِ الواعي الَّذي يَستَحِقُّ المُحاسَبة، و«الغَفور الحَليم» اسمانِ يَحرُسانِ المُؤمِنَ مِن وَسوَسةِ مُراقَبةِ كُلِّ لَفظ. ومُؤَدّى الآيةِ أنَّ مَحَلَّ الحِسابِ القَلبُ دونَ اللِّسان، وأنَّ الشَّريعةَ تُحاسِبُ المَرءَ على ما اختارَه، لا على ما جَرى عَلَيه.


حَصيلة

تُكمِلُ الآيةُ الآيةَ 224 مِن جِهةٍ أُخرى: إن كانَت 224 تَمنَعُ تَوظيفَ اليَمينِ حاجِزاً أمامَ البِرّ، فإنَّ 225 تَحمي المُؤمِنَ مِن طَرَفٍ آخَر، وهو الخَوفُ مِن كُلِّ «واللهِ» يَجري على لِسانِه. وجِذرُ ل-غ-و في «اللَّغو» الصَّوتُ الخارِجُ بِلا مَعنىً مَقصود، كصَوتِ الطّائِرِ الَّذي لا يَحمِلُ دَلالة، فاليَمينُ اللُّغَويّةُ هي الَّتي تَجري عادةً على اللِّسانِ في خِضَمِّ الحَديثِ ولا يَنعَقِدُ القَلبُ عَلَيها. وجِذرُ أ-خ-ذ في «يُؤاخِذُكُم» على وَزنِ المُفاعَلةِ يَشمَلُ مُطلَقَ الوَقفةِ الحِسابيّةِ لا مَحضَ العِقاب، والآيةُ تُخرِجُ اللَّغوَ مِن هذه الدّائرةِ كُلِّيّاً، ولا تَقِفُ بِه عِندَ التَّخفيف. وتُقابِلُ ذلك بِجِذرِ ك-س-ب في «كَسَبَت قُلوبُكُم»، وهو التَّحصيلُ بِالجَهدِ والاختيارِ الواعي، فما انعَقَدَ عَلَيه القَلبُ قَصداً هو وَحدَه مَحَلُّ المُحاسَبة. وجِذرُ ق-ل-ب في «قُلوبُكُم» مَوضِعُ التَّحَوُّلِ والقَرار، يَنعَقِدُ فيه الفِعلُ اللَّفظيُّ فيَصيرُ مُعتَبَراً، أو يَنحَلُّ فيَصيرُ لَغواً. وتَختِمُ بِاسمَينِ لَهُما دِقّةٌ في هذا السِّياق: وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، فجِذرُ غ-ف-ر يَستُرُ زَلّاتِ اللِّسانِ مَعَ الوِقايةِ مِن أثَرِها، وجِذرُ ح-ل-م ضَبطُ النَّفسِ عَن التَّسَرُّعِ في المُؤاخَذةِ مَعَ القُدرةِ عَلَيها، وهذا القِرانُ يَصونُ المُؤمِنَ الكَثيرَ الكَلامِ مِن أن تَتَحَوَّلَ لَذّةُ الكَلامِ اليَوميِّ إلى ثِقلِ حِساب.