آل عمران · الآية 155
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ»: التَّولّي مَحدودٌ بمَن فَعَلَ وزَمانِه
تَفتَحُ «إنّ» الجملةَ بالتوكيد، ويأتي اسمُها موصولاً بفعلٍ ماضٍ: الذين تولّوا. التولّي من و-ل-ي وَصلٌ يَتعلّقُ ويمتدُّ، لكنّ صيغةَ التفعّلِ تُديرُ صاحبَها إلى جهةٍ يتولاها أو يُعرِضُ بها، والسياقُ يَثبتُ الانصراف. «منكم» تبعيضيّةٌ تُخرِجُ هذه الفئةَ من داخلِ المخاطَبينَ وتحفظُ الفعلَ في أصحابِه. والظرفُ «يوم التقى الجمعان» يَسمّي الزمنَ باجتماعِ مجموعتين؛ اللقاءُ يَعقِدُ الطرفينِ في تماسّ، والجمعُ يَضمُّ الأفراد.
«إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا»: بَعضُ الكَسبِ يَفتَحُ مَدخَلَ الزَّلل
تأتي «إنّما» للحصر، ويَظهرُ الفعلُ «استزلّهم» من ز-ل-ل: تضاغطٌ يَتعلّقُ ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ اللامِ الانسيابَ عن الثبات، وصيغةُ الاستفعالِ تَحمِلُ إدخالَهم في الزَّلل. الفاعلُ هو الشيطانُ المسمّى في الآية، والمفعولُ ضميرُ الفئة. تَربِطُ الباءُ ذلك «ببعض ما كسبوا». الكسبُ من ك-س-ب التقاءٌ غائرٌ يَدخُلُ مَجرىً دقيقاً ثمّ يَتَّصلُ بصاحبِه. و«بعض» تَحفظُ مقدارَ السببِ في جزءٍ ممّا اتّصلَ بهم من كسب.
«وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ»: العَفوُ يَتَجاوَزُ الزَّلل
تَستأنفُ الواوُ جملةً مؤكَّدةً باللامِ و«قد»: عفا الله عنهم. العفوُ من ع-ف-و ظُهورٌ من العُمقِ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يُفضي إلى انفراج، فيَحمِلُ تَجاوزاً يُخلّي المَجرى من العائق. الفاعلُ اسمُ الله، و«عنهم» تَعيدُ الضميرَ إلى الذين تولّوا واستزلّهم الشيطان. ترتيبُ الجملةِ يَحفظُ المسؤوليةَ والرحمةَ معاً: فئةٌ محدودةٌ وقعَ منها التولّي واتّصلَ استزلالُها ببعضِ كسبها، ثمّ وقعَ عليها العفوُ المصرَّح.
«إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ»: الصِّفتانِ تَختمانِ العفوَ بالسِّترِ والإمهال
تَعودُ «إنّ» للتوكيدِ ويأتي اسمُ الله اسمَها، ثمّ خبرانِ نكرتان: غفورٌ حليم. المغفرةُ من غ-ف-ر غَورٌ باطنٌ يَفتَحُ مَنفذاً ثمّ يَجري ساتراً، وصيغةُ «غفور» تَحمِلُ كثافةَ السِّترِ واستمرارَه. والحِلمُ من ح-ل-م تضييقٌ باطنٌ يَتعلّقُ ثمّ يَضمُّ، فيَحمِلُ قوّةً تُمسِكُ عن العَجلة، وصيغةُ «حليم» تَحمِلُ الصفةَ الثابتة. فالزللُ والعفوُ يَلتقيانِ تحتَ سِترٍ وإمهالٍ منسوبَينِ إلى الله.
حَصيلة
تُحدِّدُ الآيةُ فئةً من المخاطَبينَ تولّت يومَ التقى الجمعان، وتحفظُ «منكم» الفعلَ في أصحابِه. تَحصُرُ استزلالَهم في فعلِ الشيطانِ المرتبطِ ببعضِ ما كسبوا، فتحفظُ «بعض» مقدارَ السببِ ونسبتَه إليهم. ثمّ يَثبتُ عفوُ الله عن الفئةِ نفسها، وتَختمُ صفتا «غفور» و«حليم» المسارَ بسِترٍ كثيفٍ مستمرٍّ وإمهالٍ ثابت. هكذا يَبقى الزللُ والكسبُ والعفوُ في ترتيبٍ واحد.