البقرة · الآية 263

﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ

(ق و ل)+(ع ر ف) القَولُ المَعروفُ كَوَحدةٍ أخلاقيَّة

و«قَولٌ مَعروفٌ» مُرَكَّبٌ اصطِلاحيّ، و(ع ر ف) جِذرٌ يَحمِلُ المَعرِفةَ والاعتِراف، والمَعروفُ هو الفِعلُ الذي يَعرِفُ النّاسُ صَوابَه بفِطرَتِهم قبلَ أن يَأتيَهم بيانٌ مَكتوب. فالقَولُ المَعروفُ إذن كَلامٌ يَنتَمي إلى نَسقِ المُتَعارَفِ عَليه أخلاقيًّا: تَحيَّةٌ، تَشجيعٌ، اعتِذارٌ، أو تَوجيهٌ يَحفَظُ كَرامةَ السّائِل. والمَعروفُ يُستَعادُ من ذاكِرةِ الجَماعة، ولا يُبدَع.

(غ ف ر) المَغفِرةُ: سَترٌ لا تَسامُح فَقط

ومَدارُ (غ ف ر) عَلى التَّغطيةِ والإخفاء، ومنه المِغفَرُ الذي يُغَطّي رَأسَ المُحارِب. والمَغفِرةُ في هذه الآيةِ سَترٌ عَلى نَقصِ السّائِل، وعَلى حَدَّةِ سُؤالِه، وعَلى ما قد يَبدو من إلحاحٍ أو فَقرٍ مُحرِج، وليست «تَسامُحًا نَفسيًّا» كما في الاستِعمالِ الحَديث. والمَغفِرةُ هنا حِمايةٌ لِكَرامةِ الآخَرِ مِن عَرضِ ضَعفِه عَلى الملأ، وهي بهذا المَعنى فِعلٌ اجتِماعيٌّ لا يَقِفُ عِندَ النَّفس.

(خ ي ر) مُقارَنةٌ لا مُفاضَلةٌ تَجميليَّة

و«خَيرٌ مِن» هنا تَفضيلٌ حَقيقيٌّ لا تَلطيفٌ بَلاغيّ، فالآيةُ تَجعَلُ الكَلِمةَ الطَّيِّبةَ أعلى مَرتَبةً حتّى حينَ يَكونُ العَطاءُ مُتاحًا ولكنَّهُ يَحمِلُ أذًى، ولا تَقولُ إنَّها تَكفي إن عَجَزَ الإنسانُ عَن العَطاء. وهذا يَقلِبُ مَوازينَ كَثيرةً: فالمُنفِقُ الذي يَمُنُّ قد يَكونُ أقَلَّ نَفعًا من فَقيرٍ يُرَدِّدُ كَلِمةً حَسَنةً ويَستُرُ جارَه.

(ص د ق) الصَّدَقةُ كَبَوّابةِ صِدقٍ داخِليّ

وجِذرُ (ص د ق) يَحمِلُ الصِّدقَ والمُطابَقةَ بَينَ القَولِ والواقِع، والصَّدَقةُ شَهادةٌ عَمَليَّةٌ عَلى أنَّ المُعطيَ صادِقٌ في ادِّعائِه حُبَّ الخَير، ولا يَكفي فيها مالٌ يُدفَع. فإذا تَبِعَها أذًى انكَشَفَ أنَّ الصَّدَقةَ كانت بِلا صِدق، وبِذلك تَنهارُ الوَحدةُ اللُّغَويَّةُ بَينَ الصَّدَقةِ والصِّدق، ويُصبِحُ اللَّفظُ شاهِدًا ضِدَّ فاعِلِه.

(ت ب ع)+(أ ذ ي) استِمرارُ مَفهومِ الإتباعِ من الآيةِ السّابِقة

وتَستَعمِلُ الآيةُ الجِذرَ (ت ب ع) مُضارِعًا في «يَتبَعُها»، وهو نَفسُ الجِذرِ الذي استَعمَلَتهُ الآيةُ 262 في «لا يُتبِعونَ»، والتَّطابُقُ مَقصود: يَربِطُ القُرآنُ بَينَ الآيَتَينِ رِباطًا بِنيَويًّا بحَيثُ لا تُفهَمُ 263 إلا في ضَوءِ 262. والأذى هنا وَصفٌ لِنَوعِ الصَّدَقة، وليسَ ظَرفًا عارِضًا، فهي صَدَقةٌ يَلحَقُها أذًى بطَبيعَتِها، أي أنَّ المُعطيَ يَعطي بِنِيَّةِ أن يُتبِعَها جَرحًا.

(غ ن ي) استِغناءُ اللهِ كَحُجَّةٍ لا كَتَباهٍ

و«واللهُ غَنيٌّ» في ختامِ الآيةِ حُجَّةٌ مَنطِقيَّةٌ مُضَمَّنة، زِيادةً على أنَّها صِفةُ مَدح. واللهُ غَنيٌّ عن الصَّدَقة، فأيُّ صَدَقةٍ مَصحوبةٍ بأذًى مَبذولةٌ في غَيرِ اتِّجاه، إذ هي مَوَّجَّهةٌ إلى الإنسانِ لا إلى الله، والمُعطي الذي يَظُنُّ نَفسَهُ يُنفِقُ «في سَبيلِ الله» وهو يَأذي المُعطى يَكشِفُ أنَّهُ لم يَكُن يُنفِقُ لله أصلًا.

(ح ل م) الحِلمُ كَمُهلَةٍ لا كَإعفاء

و«حَليمٌ» من (ح ل م)، ومَعناه الأناةُ وتَأخيرُ العُقوبةِ مع القُدرة، والحِلمُ تَأجيلٌ لِلحِسابِ لِمَنحِ الفُرصة، وليسَ غُفرانًا مُطلَقًا. فالمُنفِقُ الذي آذى مَن أعطى يَبقى في مِساحةِ الحِلم، أي أنَّ الحِسابَ لم يَنزِل بعد، وأمامَه وَقتٌ لِيُصَحِّحَ مَوقِفَه ويَعتَذِرَ ويَستُر. والحِلمُ هنا دَعوةٌ عَمَليَّة، ولا يَكفي فيها الوَصف.

تَرتيبُ القِيَمِ في الآية

ومُعادَلةُ الآية: القَولُ المَعروفُ + المَغفِرة > الصَّدَقة + الأذى، وهذا تَرتيبٌ جَديدٌ في اقتِصادٍ أخلاقيٍّ يَقيسُ بالأثَرِ دونَ الوَزن، والقيمةُ كامِنةٌ في ما يَبقى في قَلبِ المُعطى بعدَ اللِّقاء، لا في ما يَخرُجُ مِنَ اليَدِ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الكَلامِ الذي يَحفَظُ كَرامةَ السّائِل» يَسبِقُ دَورَ «العَطاءِ الذي يُدوِّنُ فَضلَ المُعطي»، ودَورُ «السَّترِ القاصِد» يَسبِقُ دَورَ «الفَضلِ المَشهور».


حَصيلة

تَقلِبُ هَذِه الآيةُ مُعادَلةَ الفَضلِ الاجتِماعيِّ قَلبًا صَريحًا: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. والقَولُ المَعروفُ (ق-و-ل + ع-ر-ف) كَلامٌ يَنتَمي إلى نَسقِ المُتَعارَفِ عَلَيه أخلاقيًّا: تَحيَّةٌ، تَشجيعٌ، اعتِذارٌ يَحفَظُ كَرامةَ السّائِل. والمَغفِرةُ (غ-ف-ر) سَترٌ لا يَقِفُ عِندَ التَّسامُحِ النَّفسيّ، فهي تَغطيةٌ عَلى نَقصِ الآخَرِ وإلحاحِه وما قَد يَبدو مُحرِجًا مِن فَقرِه. وصَدَقةُ الصِّدقِ (ص-د-ق) تَنهارُ حينَ يَتبَعُها أذًى (أ-ذ-ي)، لِأنَّ الإتباعَ يَكشِفُ أنَّ الصِّدقَ لَم يَكُن حاضِرًا مِن البِداية. و«خَيرٌ مِن» (خ-ي-ر) هُنا تَفضيلٌ حَقيقيٌّ لا تَعزيةٌ لِلعاجِز: الكَلِمةُ والسَّترُ يَتَقَدَّمانِ حَتّى حينَ يَكونُ المالُ مُتاحًا. وتَختِمُ الآيةُ بِثُنائيَّةٍ مُضَمَّرَةِ الحُجَّة: غَنيٌّ (غ-ن-ي) يَعني أنَّ اللهَ لا يَحتاجُ الصَّدَقةَ فَالصَّدَقةُ المُؤذيةُ مَوَّجَّهةٌ إلى الذّاتِ لا إلَيه، وحَليمٌ (ح-ل-م) أناةٌ مَعَ القُدرة، وفيها دَعوةٌ لِلمُنفِقِ الذي آذى أن يُصَحِّحَ مَوقِفَه قَبلَ أن يُغلَقَ البابُ.