الفجر · الآية 11

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ

«الَّذينَ»: صِفةٌ تَجمَعُ ما قَبلَها في وَصفٍ واحِد

«الَّذينَ» مَوصولٌ يَعودُ على المَذكورينَ قَبلَه، فهو يَلُمُّ ما تَقَدَّمَ ويَجمَعُه تَحتَ وَصفٍ واحِد، ولا يَفتَتِحُ خَبَراً جَديداً. وقد عَدَّدَتِ السّورةُ فيما سَبَقَ أقواماً وأسماءً، ثُمَّ جاءَت هذه الآيةُ تَجمَعُهُم كُلَّهُم، على اختِلافِ أزمِنَتِهِم وأرضِهِم، بِالمَوصولِ في فِعلٍ واحِد.

فالمَوصولُ هنا يَنقُلُ النَّظَرَ من الأسماءِ إلى الصِّفة، فيَكونُ الوَصفُ الذي اجتَمَعوا عليه أهَمَّ بَعدَ ذلك من تَعدادِ المُسَمَّيات، وهو ما يَلي في قَولِه: «طَغَوا في البِلاد».

«طَغَوا»: تَجاوُزُ الحَدِّ وفَيضٌ عنه

ومَدارُ ط-غ-و على مُجاوَزةِ الحَدِّ وفَيضِ الشَّيءِ عن مَوضِعِه، يُقالُ «طَغى الماءُ» إذا ارتَفَعَ وفاضَ فجاوَزَ الضِّفافَ، و«الطّاغوتُ» ما تَجاوَزَ قَدرَه فَعُبِدَ من دونِ الحَقّ، و«الطُّغيانُ» مُجاوَزةُ المِقدارِ المَأذونِ فيه إلى ما لا حَدَّ له. فالطُّغيانُ خُروجٌ عن الحَدِّ المَوضوعِ وفَيضٌ يَطمِسُ ما حَولَه، زِيادةً على أنَّه فِعلٌ سَيِّئ.

وصيغةُ «طَغَوا» فِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى جَماعة، فطُغيانُهُم سيرةُ قَومٍ تَجاوَزوا ما يَنبَغي أن يُوقَفَ عِندَه، وليسَ فَلتةَ فَرد. والفِعلُ مَبنِيٌّ على المُضِيّ، فهو حِكايةُ ما وَقَعَ وانقَضى، يُساقُ لِيُعتَبَرَ بِه، ولم يُسَقْ لِيوصَفَ بِه حاضِرٌ يُرجى صَلاحُه.

«في البِلاد»: مَيدانُ الطُّغيانِ أرضٌ تَثبُتُ ويَزولُ عنها أهلُها

و«البِلادُ» جَمعُ بَلَد، ومادّتُه ب-ل-د، وهي المَواضِعُ المَحدودةُ المُمسِكةُ التي يَستَقِرُّ فيها أهلُها ويَلزَمونَها. وجاءَ الظَّرفُ «في البِلاد» لِيُبَيِّنَ مَيدانَ الطُّغيان، فهو بَسطٌ لِلتَّجاوُزِ على الأرضِ المَأهولةِ عَلانِيةً في مَواضِعِ الاستِقرار، وما كانَ طُغياناً مَستوراً في النَّفس.

وفي اقتِرانِ الفِعلِ بِالظَّرفِ مُفارَقةٌ تُسمَع، فالأرضُ بِطَبعِها مَوضِعُ ثَباتٍ يَلزَمُه أهلُه، والطُّغيانُ بِطَبعِه فَيضٌ لا يَلزَمُ حَدّاً، ومَن طَغى في البِلادِ فقد حَمَلَ الفَيضَ الذي لا يَثبُتُ إلى المَوضِعِ الذي مِن شَأنِه الثَّبات، فأفسَدَ ثَباتَه. وتَدَعُ الآيةُ المَيدانَ شاهِداً، أرضاً مُمسِكةً جَرى عليها ما لا يُمسِكُ نَفسَه عن التَّجاوُز.


حَصيلة

«الَّذينَ» مَوصولٌ يَجمَعُ المَذكورينَ قَبلَه تَحتَ وَصفٍ واحِد، فيَنقُلُ النَّظَرَ من الأسماءِ إلى الصِّفةِ الجامِعة، وتِلكَ الصِّفةُ «طَغَوا»، وأصلُ ط-غ-و مُجاوَزةُ الحَدِّ وفَيضُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه، وهو فِعلٌ ماضٍ مُسنَدٌ إلى جَماعةٍ يُساقُ لِلاعتِبار. ومَيدانُه «في البِلاد»، والبِلادُ جَمعُ بَلَد من ب-ل-د، وهي المَواضِعُ المُمسِكةُ الثّابِتةُ التي يَلزَمُها أهلُها. فالآيةُ تَلُمُّ أقواماً مُختَلِفينَ في وَصفٍ واحِد، هو فَيضٌ تَجاوَزَ الحَدَّ وحُمِلَ عَلانِيةً إلى أرضٍ مِن شَأنِها الثَّبات، فكانَ التَّجاوُزُ على المَوضِعِ الذي يَنبَغي أن يَلزَمَ حَدَّه أبيَنَ في الشَّهادةِ عليه.