الشمس · الآية 11
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«كَذَّبَت»: التَّكذيبُ بَعدَ السَّماع
الكَذِبُ في العربيّةِ نَقضُ الصِّدق. والتَّكذيبُ، بصيغَةِ التَّفعيل، هو الإعلانُ بأنَّ المُخبِرَ كاذِبٌ والخَبَرَ غَيرُ صادِق. مَن كَذَّبَ خَبَراً ما، أَعلَنَ بَعدَ سَماعِه أنَّه باطِل. ولَيس في هذا الفِعلِ ما يَدُلُّ على الجَهلِ أو القُصور. التَّكذيبُ مَوقِفُ مَن سَمِعَ ثمّ رَدَّ.
وثَمودُ في السورةِ مُكَذِّبَة. وما كَذَّبَتهُ بَيانُ الآيةِ التاليَة: رَسولٌ جاءَهُم. لَم يَكُن قَومٌ بِلا بَلاغ، بَل قَومٌ بَلَغَهم البَلاغُ ثمّ رَدّوهُ. وفي هذا الإسنادِ تَأكيدٌ على أنَّ التَّكذيبَ فِعلٌ يَخرُجُ من نَفسٍ تَختار، لا من جَهلٍ يُعالَج.
«ثَمود»: قَومٌ تَذكُرُهُم السورة
«ثَمود» اسمُ عَلَمٍ يَذكُرُه القرآنُ في مَواضِعَ شَتّى. وفي هذه السورةِ يَدخُلُ بصيغَةٍ مَجموعَةٍ، يُسنَدُ إليها فِعلٌ في صيغَةِ المُؤَنَّث («كَذَّبَت») لأنَّ القَومَ مُؤَنَّثُ الفاعِلِيَّةِ في النَّحوِ العَرَبيّ حِينَ يُرادُ بِهِم الجَماعَة. السورةُ لا تُسَمّي مَوطِنَهم، ولا تُؤَرِّخُ زَمَنَهم، ولا تَذكُرُ نَسَبَهُم. تَذكُرُ منهم ما يَكفي لِيَعرِضَ المِثالُ نَفسَه: قَومٌ كَذَّبوا، وكانَ لَهم رَسولٌ بَلَّغَ، وفي مِلكِهِم ناقَةٌ مَخصوصَة، وقد عَقَروها. هذا ما تَذكُرُه السورة، ولا تَزيد.
«بِطَغواها»: الفَيضُ الخارِجُ عَن الحَدّ
الجذرُ (ط-غ-و) يَدُلُّ على الفَيضِ الخارِجِ عَن حَدِّه. ومنه «طَغى الماءُ» إذا فاضَ عن مَجراه، و«طَغى الإنسانُ» إذا تَجاوَزَ ما يَنبَغي أن يَقِفَ عِندَه. الطَّغوى صيغَةٌ تَدُلُّ على الحالَةِ الجامِعَةِ لِهذا الفَيض: نَزَعَةٌ تَدفَعُ النَّفسَ خارِجَ ما يَحجِزُها.
والباءُ في «بطَغواها» باءُ السَّبَب. ما حَمَلَهم على التَّكذيبِ هو طَغواهُم. وهذا تَفسيرٌ بَيانيٌّ لِنَفسِ ما قِيلَ في الآيةِ العاشِرة: «خابَ مَن دَسَّاها». الطَّغوى صورَةٌ من صُوَرِ الدَّسّ. الفَيضُ الذي يَخرُجُ خارِجَ الحَدّ يَدفِنُ النَّفسَ تَحتَ ما يَستُرُ نُورَها. ومَن دُفِنَت نَفسُه تَحتَ طَغواه لم يَعُد يَستَوعِبُ صَوتاً يَأتيه من خارج.
وفي إضافَةِ الطَّغوى إلى ضَميرِهم («طَغواها») تَأكيدٌ على أنَّها مِنهُم لا مِن غَيرِهِم. لَيست طَغوى أَفلَتَت في عَصرٍ كانَ الطَّغوى فيه عاديّاً، بَل طَغوى كانَت لَهم بأنفُسِهِم، اخْتاروها وكَوَّنوها. والقَومُ مَسؤولون عَنها كما المُزَكّي مَسؤولٌ عن تَزكِيَتِه.
حَصيلة
ثَمودُ تَدخُلُ كمِثالٍ تاريخيٍّ على القاعِدَةِ التي رَسَمَتها السورة. «كَذَّبَت» بتَضعيفِ الذال تَكذيبٌ مُؤَكَّدٌ مُكَرَّر. والباءُ في «بِطَغواها» باءُ السَّبَب: ما حَمَلَهم على التَّكذيبِ ليس جَهلاً بالدَّليلِ بل طَغوى. الجِذرُ ط-غ-و تَجاوُزُ الحَدِّ بِشِدَّة. الطَّغوى سَبَقَت التَّكذيب، والتَّكذيبُ ثَمَرَتُها. السورةُ تَنتَقِلُ من الحُكمِ المَوزونِ «مَن زَكَّى. مَن دَسَّ» إلى التَّطبيقِ التاريخيّ في قَومٍ اختاروا الكِفَّةَ الثانية.