البقرة · الآية 15

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

«اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»: ردٌّ مِن جِنسِ الفِعل، لا عُقوبةٌ مُستورَدة

أَنظُرُ إلى الجُملةِ الأُولى: يَبدأُ بلَفظِ الجَلالةِ اللَّهُ﴾ مَرفوعاً بالابتداء، تَعظيماً للفاعلِ وإشارةً إلى أنّ المَسألةَ خَرَجَت من حَجمِ المُفاعَلةِ البَشَريّة. ومَعنى «اللهُ يَستهزئُ بهم» عِندي ليس أنّ اللهَ يَضحَكُ أو يَسخَرُ كما يَفعَلون، بل أنّه يَرُدُّ فِعلَهم عليهم بنَفسِ البِنيةِ التي قاموا بها: هُم فَرَّغوا المؤمنينَ من قيمَتِهم بالقَول، فَفَرَّغَهُم اللهُ فِعلاً من قِيَمِهم وسَنَدِهم. ولذلك جاءت الصِّيغةُ مُضارعاً مُستمرّاً (يَستهزِئ) لا ماضياً: الفِعلُ الإلَهيُّ هنا سُنّةٌ تَجري، لا حَدَثٌ مُفرَد. وهذا أدَقُّ مِن تَصويرِ العَذابِ تَكليفاً مُنفَصِلاً عن الجُرم: النَّصُّ يَربِطُ الردَّ ببِنيَةِ الفِعلِ المَبدوء.

«وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ»: المدُّ إتمامُ مسار، لا ابتداؤه

«المدّ» في العربيّة إطالةُ الشيء وتوسيعُه بعد بدايته، لا إنشاؤه من عدم. فالآيةُ تقولُ إنّ اللهَ يَمُدُّهم في طغيانهم لا يَبدَؤُه لهم: الطغيانُ اختيارُهم، والمدُّ إفساحٌ للمسار الذي اختاروا. وهذه السُنّةُ عادلة: مَن فَتَحَ لنفسه بابَ تَجاوُز، وَجَدَ الفضاءَ مفتوحاً أمامه حتى يَعمَهَ فيه. والطُّغيان (ط غ ي) في أَصلِه ارتِفاعُ الماءِ فَوقَ حَدِّ القاعدة، ثمّ اسْتُعمِلَ للفِعلِ الذي يُخرِجُ صاحبَه عن حُدودِه الطبيعيّة؛ فالوَصفُ هنا بِنيويٌّ لا أخلاقيّ: تَجاوُزُ السَّدِّ الداخليّ الذي يَحفَظُ للذاتِ تَوازُنَها.

«يَعْمَهُونَ»: العَمَه (ع م هـ) تَحَيُّرُ السالِكِ في طريقٍ بَصَرُه سَليم

يَختمُ النَّصُّ بحالِهم: يَعْمَهُونَ﴾. و«العَمَه» غير «العَمى»: العَمى فقدُ البصر، والعَمَهُ تَحيُّرُ السالكِ في طريقٍ بَصَرُه سليم لكنّه لا يَعرفُ إلى أين يَسيرُ به. فالآيةُ لا تَصفُ حَرماناً من أداة، بل ضَياعاً في استعمالِها: عَينٌ تَرى، ولَكنَّ القلبَ لا يَدُلُّ العَينَ أينَ تَنظُر. وأُؤَكِّدُ أنّ هذا الوَصفَ هو مآلُ الفِعلِ لا مُبتَدَؤُه: المَدُّ في الطُّغيانِ يُنتِجُ العَمَهَ بنَفسِه، كما يُنتِجُ النَّهرُ المَسيلَ مِن نَفسِ منحَدَرِه. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

قالوا «إنَّما نَحنُ مُستَهزِئون»، فَجاءَ الرَّدُّ بِلُغَتِهم عَينِها: «اللهُ يَستَهزِئُ بهم». والاستِهزاءُ (ه-ز-ء) تَفريغٌ لِما كانَ ذا ثِقل؛ فالتَّفريغُ الذي مارَسوه على المُؤمِنين في الكَلامِ الخاصِّ يَرتَدُّ إليهم تَفريغاً حَقيقيّاً: يُفَرَّغونَ من كلِّ ما تَمَسَّكوا به. والفِعلُ في صيغةِ المُضارعِ المُستَمِرّ (يَستَهزِئ) لأنَّه سُنَّةٌ تَجري لا حَدَثٌ مُفرَد. وفي الجُملةِ الثانيةِ مَشهَدٌ من ثَلاثِ حَلَقات: مَدٌّ (م-د-د: إطالةُ ما بَدأَ لا إنشاءٌ من عَدَم) في طُغيانٍ (ط-غ-ي: ارتِفاعُ الماءِ فوقَ الحَدِّ، تَجاوُزُ السَّدِّ الداخليّ) فيَعمَهون (ع-م-ه: تَحَيُّرُ السالِكِ في طريقٍ بَصَرُه سَليم لكنَّه لا يَعرِفُ إلى أينَ يَمضي). فليسَ العَمَهُ فَقدَ العَين (ع-م-ي) بل انقِطاعَ المَركَزِ الذي يَدُلُّ العَينَ على الاتِّجاه؛ وهو بالضَّبطِ ما أنتَجَه النِّفاقُ الطَّويل: إبصارُ المَشاهِدِ دون قُدرةٍ على تَرتيبِها في مَسارٍ واحِد. المَدُّ في الطُّغيانِ يُنتِجُ العَمَهَ من نَفسِ بِنيَتِه، كما يُنتِجُ النَّهرُ الفائضُ المَسيلَ من نَفسِ انحِدارِه.