الإسراء · الآية 60

﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا

«إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ»: إحاطةٌ تَمَّت

«إِذْ» تُعَلِّقُ ما بَعدَها بِوَقتٍ مَضى، فالجُملةُ مَقولةٌ قيلَت من قَبلُ وتُستَحضَرُ الآن. لَيسَ الخَبَرُ جَديداً؛ الجَديدُ استِدعاؤُه في هذا المَوضِع.

و«أَحَاطَ» ماضٍ لا اسمُ فاعِل. لم يُقَلْ «مُحيطٌ بِالنّاس» فيَكونَ وَصفاً قائِماً، قيلَ «أَحَاطَ» فيَكونَ فِعلاً تَمَّ وانغَلَقَت حَلقَتُه. والجَذرُ ح-و-ط يَدورُ على احتِواءٍ يُعقَدُ ثُمَّ يُطبَقُ عَلَيه، ومنه الحائِطُ يُدارُ فيَمنَعُ ما وَراءَه.

و«بِالنَّاسِ» عامّة. لا يُستَثنى منها من يَفتِنُ ولا من يُفتَن. وسَتَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها في الجُملةِ التّالية: «فِتْنَةً لِّلنَّاسِ». فالمُحاطونَ هُمُ المَفتونون. الحَلقةُ أُغلِقَت أوَّلاً، ثُمَّ وُضِعَ الاختِبارُ داخِلَها.

«الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ»: صِلةٌ هي كُلُّ التَّعريف

اقرَأْ ما أُعطيتَ عنها. أداةُ تَعريفٍ تُشيرُ، وصِلةٌ واحِدةٌ تَقولُ فِعلاً واقِعاً عَلَيها: «الَّتِي أَرَيْنَاكَ». لا مَتى، ولا أينَ، ولا ماذا رَأَيت. عُرِّفَت بِمَن أراها لا بِما فيها.

وهذا المِقدارُ هو المِقدارُ. مَن زادَ عَلَيه فقد كَتَبَ صِلةً ثانِيةً لم تُكتَب.

و«أَرَيْنَاكَ» من ر-أ-ي على وَزنِ أفعَل، والفاعِلُ في هذا الوَزنِ غَيرُ الرّائي: هو الذي جَعَلَ غَيرَه يَرى. وهذا الوَزنُ نَفسُه من هذا الجَذرِ نَفسِه هو الذي عُلِّلَ بِه مَطلَعُ السّورةِ كُلِّها: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. وهُناكَ أيضاً كانَ الفِعلُ الأوَّلُ على أفعَل: أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، فالمُسرى بِه غَيرُ المُسري.

فالسّورةُ تَفتَتِحُ بِإراءةٍ تُعَلَّلُ بِها رِحلة، وتَصِلُ هُنا إلى إراءةٍ تُجعَلُ فِتنةً لِلنّاس. الجَذرُ واحِدٌ والوَزنُ واحِد، والمَوقِعُ انقَلَبَ من غايةٍ تُطلَبُ إلى مَوضِعٍ يُتَنازَعُ فيه. ما فُتِحَ لِواحِدٍ لِيَرى صارَ عِندَ غَيرِه ما يُختَبَرُ بِه.

«إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ»: الجَعلُ يَقَعُ على الوَظيفة

«مَا جَعَلْنَا... إِلَّا» حَصرٌ. ولم يُنفَ عن الرُّؤيا شَيءٌ في ذاتِها؛ حُصِرَ ما جُعِلَت له. الجَعلُ يَقَعُ على الوَظيفةِ لا على الحَقيقة، فالآيةُ تُخبِرُ بِما صُيِّرَت إلَيه عِندَ النّاسِ لا بِما هي في نَفسِها.

وهذا هو الفَرقُ الذي يُهمَلُ كَثيراً. أن يُقالَ «ما جَعَلناها إلّا فِتنةً» لَيسَ قَولاً في مَتنِ الشَّيء، بل في مَوقِعِه من النّاظِرين. والشَّيءُ الواحِدُ يَكونُ بابَ بَصيرةٍ لِمَن حَمَلَه ومَوضِعَ افتِراقٍ لِمَن سَمِعَ بِه.

«وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ»: لَعنٌ مَوضِعُه قَولٌ لا مَكان

«الشَّجَرَةَ» مَنصوبة، مَعطوفةٌ على «الرُّؤْيَا». فالحُكمُ واحِدٌ عَلَيهِما: كِلتاهُما مَجعولةٌ فِتنةً لِلنّاس. حَرَكةُ الإعرابِ تَقولُ ذلك بِلا حاجةٍ إلى تَقدير.

و«الْمَلْعُونَةَ» اسمُ مَفعولٍ من ل-ع-ن، والجَذرُ إفرادُ الشَّيءِ بِعَلامةٍ حادّةٍ تُبرِزُه ثُمَّ تُبعِدُه عن جَماعَتِه. فاللَّعنُ سِمةٌ ثُمَّ طَرد، لا سَبٌّ يُقال.

ثُمَّ اقرَأِ الظَّرف: «فِي الْقُرْآنِ». لم يُقَلْ في أرضٍ ولا في وادٍ ولا في جِهة. قيلَ في القُرآن. فمَوضِعُ اللَّعنِ قَولٌ يُتلى، والسِّمةُ وُضِعَت بِالتِّلاوةِ لا بِالتُّربة. شَجَرةٌ لا يُعرَفُ مَنبِتُها ويُعرَفُ أنَّها وُسِمَت في كَلام.

وهذا يُتِمُّ الشَّطرَ الأوَّل. الرُّؤيا عُرِّفَت بِمَن أراها، والشَّجَرةُ عُرِّفَت بِمَوضِعِ لَعنِها، وكِلتاهُما تُرِكَت بِلا وَصفٍ لِذاتِها. الآيةُ تُعطيكَ الحُكمَ وتَمنَعُكَ الصّورة.

«وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا»: فِعلٌ واحِدٌ ونَتيجةٌ مَقلوبة

الفِعلُ هو الذي خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها: وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وهُناكَ ذُكِرَتِ الغايةُ مَصدَراً، وهُنا يُذكَرُ الفِعلُ مُضارِعاً مُستَمِرّاً: «وَنُخَوِّفُهُمْ». الغايةُ مَقصودةٌ والفِعلُ مُتَواصِل.

والتَّخويفُ في جَذرِه إحداثُ تَخَلخُلٍ في المَحَلّ، أي فَتحُ فُرجةٍ فيه. فإذا كانَ المَحَلُّ مُصمَتاً لم تُفتَحْ فُرجةٌ ورُدَّت الطَّرقةُ زِيادةً في الصَّلابة. ولِذلك جاءَ الجَوابُ بِـ«يَزِيدُ» لا بِـ«يُصلِح» ولا بِـ«يُفسِد»: زِيادةٌ في ما هو قائِمٌ أصلاً.

و«طُغْيَانًا» فَيضٌ يُجاوِزُ الحَدَّ ولا يَقِفُ عِندَه. ثُمَّ نُعِتَ بِـ«كَبِيرًا»، وقد قُرِئَ في هذه السّورةِ أنَّ ك-ب-ر تَراكُمٌ يَغورُ ثُمَّ يَمتَدُّ فيُجاوِزُ قَدرَه الأوَّل. فالوَصفُ مُجاوَزةٌ نُعِتَت بِمُجاوَزة. سَيلٌ خَرَجَ عن الضِّفّةِ ثُمَّ قيلَ فيه إنَّه يَزيدُ على ما خَرَجَ بِه.


حَصيلة

تُستَحضَرُ مَقولةٌ سابِقةٌ بِـ«إِذْ»، ويُقالُ فيها «أَحَاطَ» ماضِياً لا «مُحيطٌ» قائِماً، فالحَلقةُ مَعقودةٌ مُطبَقةٌ قَبلَ أن يَبدَأَ الكَلامُ عمّا يَجري داخِلَها. و«النّاس» تُذكَرُ مَرَّتَين: مُحاطونَ ثُمَّ مَفتونون. ثُمَّ يُذكَرُ شَيئانِ لا يُوصَفُ واحِدٌ منهُما بِذاتِه: رُؤيا تُعَرَّفُ بِصِلةٍ واحِدةٍ هي فِعلُ من أراها، وشَجَرةٌ تُعَرَّفُ بِمَوضِعِ لَعنِها، والنَّصبُ يَجمَعُهُما تَحتَ حُكمٍ واحِد. و«أَرَيْنَاكَ» على أفعَلَ من الجَذرِ الذي عُلِّلَ بِه مَطلَعُ السّورةِ نَفسُه، فالإراءةُ التي كانَت غايةَ رِحلةٍ تَعودُ مَوضِعَ افتِراقٍ بَينَ النّاس. و«فِي الْقُرْآنِ» تَضَعُ اللَّعنَ في قَولٍ يُتلى لا في بُقعةٍ تُزار. ثُمَّ يُقالُ إنَّ التَّخويفَ مُستَمِرٌّ وأنَّ ناتِجَه زِيادةٌ لا نُقصان، و«طُغْيَانًا كَبِيرًا» مُجاوَزةٌ نُعِتَت بِمُجاوَزة. الآيةُ تُعطيكَ الحُكمَ وتَمنَعُكَ الصّورة، وهذا المَنعُ نَفسُه جُزءٌ من الفِتنة: المُختَبَرُ هو أن تَقِفَ حَيثُ وَقَفَ السَّطر.