طه · الآية 45

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ

«قَالَا»: رابِعُ مُثَنّىً، وأوَّلُ ما يَخرُجُ من فَمِهِما

ثَلاثةُ أفعالٍ مُثَنّاةٍ سَبَقَت: نَهيٌ، فأمرٌ بِالذَّهاب، فأمرٌ بِالقَول. كُلُّها مُوَجَّهةٌ إلَيهِما.

وهذا الرّابِعُ مِنهُما. أُمِرا بِالقَولِ فقالا، ولكِنَّ أوَّلَ قَولٍ يُنسَبُ إلَيهِما لَيسَ القَولَ الذي أُمِرا بِه.

وُجِّهَ الأمرُ إلى جِهةٍ فرَجَعَ الجَوابُ إلى الجِهةِ التي جاءَ مِنها.

«رَبَّنَا»: نِداءٌ بِلا أداةٍ ونونٌ لِلاثنَين

حُذِفَت ياءُ النِّداء. لا «يا» بَينَ الطّالِبَينِ والمَطلوبِ مِنه.

والمُضافُ إلَيه «نا» لِاثنَين. وقد كانَ الدُّعاءُ قَبلَ عِشرينَ آيةً يَجري كُلُّه بِياءِ المُتَكَلِّمِ المُفرَد: صَدري، وأمري، ولِساني، وقَولي.

الياءُ صارَت نوناً. مَن سَأَلَ وَزيراً يَقولُ الآنَ «رَبَّنَا».

«إِنَّنَا نَخَافُ»: خَوفٌ يُعلَنُ في صَدرِ الكَلام

«إنَّ» مَعَ نونِ الاثنَين، ثُمَّ فِعلٌ مُضارِع. تَوكيدٌ يَقَعُ على الخَوفِ لا على غَيرِه.

ولم يُقَدَّمْ عُذرٌ ولا تُلُطِّفَ بِمُقَدِّمة. أوَّلُ خَبَرٍ بَعدَ النِّداءِ هو الخَوفُ نَفسُه.

و«نَخَافُ» مُضارِعٌ لا ماضٍ. حالٌ قائِمةٌ في وَقتِ القَولِ لا حادِثةٌ انقَضَت.

والجِذرُ خ-و-ف فَراغٌ مُحيطٌ يُفَرِّقُ تَماسُكَ صاحِبِه. لا يَأتي من خارِجٍ فَحَسب، بَل يُخَلخِلُ الدّاخِلَ فيَنفَرِطُ ما كانَ مَشدوداً.

وهذا الجِذرُ قد وَرَدَ في هذه السّورةِ نَهياً لِواحِد: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. هُناكَ مُفرَدٌ مَنهِيّ، وهُنا مُثَنّىً مُخبِر.

«أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا»: مَخوفٌ يَقَعُ عَلَيهِما

ف-ر-ط انطِلاقٌ يَنفَلِتُ فيَتَجاوَزُ المِقدار. ومنه الفارِطُ الذي يَتَقَدَّمُ ولا يَنتَظِرُ مَن خَلفَه.

فالمَخوفُ الأوَّلُ عَجَلةٌ تَسبِقُ القَول. أن يُبادِرَ قَبلَ أن يُسمَعَ ما أُمِرا بِه.

وعُدِّيَ بِـ«على»، فالفِعلُ واقِعٌ عَلَيهِما. لَه مَحَلٌّ مَذكورٌ وهُما ذلك المَحَلّ.

«أَوْ أَن يَطْغَىٰ»: مَخوفٌ لا مَحَلَّ لَه

الثّاني لازِمٌ بِلا حَرفِ جَرّ. «يَطْغَىٰ» ولا شَيءَ بَعدَه.

فالأوَّلُ يَقَعُ عَلَيهِما والثّاني لا يُذكَرُ لَه أين. واحِدٌ مَحدودُ المَوقِعِ وواحِدٌ مُطلَق.

وهذه الكَلِمةُ هي كَلِمةُ الأمرِ قَبلَ آيَتَين: إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. قيلَ لَهُما اذهَبا إلَيه لِأنَّه طَغى، فقالا نَخافُ أن يَطغى.

الماضي عِلّةُ الإرسال، والمُضارِعُ مَخوفُهُما. اللَّفظُ واحِدٌ والزَّمَنُ اثنان.

«أَوْ» تَعودُ بَعدَ آيةٍ واحِدة

في الآيةِ قَبلَها: يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. وفي هذه: يَفرُطُ أو يَطغى.

حَرفُ عَطفٍ واحِدٌ في مَوضِعَينِ مُتَجاوِرَين. مَرجُوّانِ بِـ«أو»، ثُمَّ مَخوفانِ بِـ«أو».

وفي الحالَينِ لا يُطلَبُ الجَمع. تَكفي واحِدةٌ في الرَّجاءِ وتَكفي واحِدةٌ في الخَوف.


حَصيلة

«قَالَا» رابِعُ مُثَنّىً في المَقطَعِ وأوَّلُ ما يُنسَبُ إلَيهِما مِن قَول، فأُمِرا بِأن يَقولا لِجِهةٍ فكانَ أوَّلُ قَولِهِما إلى الجِهةِ التي أمَرَت. و«رَبَّنَا» نِداءٌ حُذِفَت أداتُه، ونونُه لِاثنَينِ بَعدَ دُعاءٍ جَرى كُلُّه في هذه السّورةِ بِياءِ المُفرَد. و«إِنَّنَا نَخَافُ» تَوكيدٌ يَقَعُ على الخَوفِ نَفسِه بِلا مُقَدِّمةٍ تُلَطِّفُه، والفِعلُ مُضارِعٌ فالحالُ قائِمةٌ في وَقتِ القَول، والجِذرُ خ-و-ف فَراغٌ مُحيطٌ يُفَرِّقُ تَماسُكَ صاحِبِه، وقد وَرَدَ في هذه السّورةِ نَهياً لِمُفرَدٍ فصارَ هُنا خَبَراً من مُثَنّى. والمَخوفانِ اثنان: «أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا» من ف-ر-ط، انطِلاقٌ يَنفَلِتُ فيُجاوِزُ المِقدار، مُعَدّىً بِـ«على» فمَحَلُّه مَذكورٌ وهُما هو؛ و«أَن يَطْغَىٰ» لازِمٌ بِلا حَرفِ جَرٍّ فلا مَحَلَّ لَه، وهو لَفظُ العِلّةِ التي أُرسِلا مِن أجلِها ماضِياً فصارَ في فَمِهِما مُضارِعاً مَخوفاً. وعُطِفَ المَخوفانِ بِـ«أو» كَما عُطِفَ المَرجُوّانِ بِها في الآيةِ قَبلَها، فلا يُطلَبُ اجتِماعٌ في واحِدٍ مِنهُما.