العلق · الآية 6

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ

«كَلّا»: حَرفُ الرَّدعِ يَفصِلُ بَينَ وَحدَتَين

«كَلّا» في العَرَبيَّةِ رَدعٌ مَعَ نَفي، ولا تَقِفُ عند مَعنى «لا»، ويُقالُ «كَلّا» لِمَن أَوشَكَ أَن يَقَعَ في خَطَأ، فيوقَفُ قَبلَ أَن يَستَكمِلَ خَطوَتَه. والكِتابُ يَستَخدِمُ هذه الكَلِمَةَ في مَواضعَ تَستَدعي قَطعاً حادّاً، وقد جاءَت ثَلاثَ مَرّاتٍ في سورَةٍ واحِدَة: في 6، وفي 15، وفي 19، فهي ثَلاثُ نُقَطٍ تَنزِلُ كَالطَّرَقاتِ على المُتَكَبِّر.

والأُولى تَفصِلُ بَينَ الإخبارِ بِالخَلقِ والتَّعليم، والإخبارِ بِالطُّغيان، وكَأَنَّ الكِتابَ يَقول: قَد ذُكِرَ الكَرَم، فَلا تَستَنتِجَنَّ مِنه أَنَّ الإنسانَ في خَيرٍ مُستَمِرّ، فالأَمرُ على العَكس، إذ المَخلوقُ المُعَلَّمُ حينَ يَنسى أَصلَه يَطغى.

«لَيَطغى»: الفَيضانُ فَوقَ الحَدّ

ويَدُلُّ ط-غ-ي على تَجاوُزِ الحَدِّ المَرسوم، فالماءُ الطَّاغي ماءٌ زادَ فَفاضَ، والمَوجُ الطَّاغي مَوجٌ ارتَفَعَ فَوقَ ما يَنبَغي، والطَّاغوتُ في القُرآنِ كائنٌ ادَّعى لِنَفسِه ما لَيسَ لَه. وَالإنسانُ هنا كَذَلك، يُمَدُّ نَفسَه فَوقَ مَنزِلَتِه، ويُخرِجُها عن حَدِّها.

والصُّورَةُ في كَلامِ العَرَبِ صورَةُ سَيل، ماءٍ في وادٍ يُجمَعُ في حَوضٍ مَحدود، فإذا فاضَ فَوقَ الحَوضِ سُمِّيَ طاغياً. والإنسانُ في فِطرَتِه حَوضٌ بِحَدٍّ مَعلوم، عَبدٌ مَخلوقٌ مُعَلَّم، فإذا نَسِيَ الحَدَّ وفاضَ فَوقَه طَغى. والطُّغيانُ في الجَذرِ خُروجُ الماءِ عن وِعائه، وليس شَرّاً مُستَقِلّاً، والشَّرُّ نَتيجَةٌ لا أَصل.

السِّياقُ بَعدَ التَّعليم: لِماذا الطُّغيانُ هُنا

وقَد يُسأَلُ لِماذا تَأتي «كَلّا إنَّ الإنسانَ لَيَطغى» مُباشَرَةً بَعدَ «عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يَعلَم»، والجَوابُ في الجَذرِ نَفسِه، فالعِلمُ إن نُسِيَ مَصدَرُه يَتَحَوَّلُ إلى أَداَةِ طُغيان، ومَن عَلِمَ ما لَم يَكُن يَعلَم، ثُمَّ ادَّعى أَنَّ ذلك من ذاتِه، فاضَ فَوقَ حَدِّه.

ولِذَلكَ كانَت الآيَةُ السابِعَةُ هي السَّبَب: «أن رَآه استَغنى»، فالإنسانُ الذي يَرى نَفسَه غَنيّاً عن مَصدَرِه هو الذي يَطغى، والعِلمُ الذي لا يَتَّصِلُ بِمَن عَلَّمَ يُغني صاحِبَه عن المُعَلِّم. ومن ها هُنا تَنفَتِحُ أَبوابُ التَّوَلّي، والنَّهيِ عن الصَّلاة، وتَكذيبِ الوَحي، وكُلُّها ثَمَراتٌ من شَجَرَةِ الطُّغيان.


حَصيلة

«كَلّا» تَنزِلُ فاصِلَةً، وهي في العَرَبيَّةِ رَدعٌ يُوقِفُ السَّائِرَ قَبلَ أن يَستَكمِلَ خَطوَتَه، وليست «لا» عاديَّة. والسورةُ ستُكَرِّرُها ثلاثَ مَرّات (الآيات 6، 15، 19)، ثلاثَ ضَرَباتٍ على المُتَكَبِّر. وفي «إنَّ الإنسانَ لَيَطغى» يَعودُ «الإنسان» للمَرَّةِ الثالِثَة، فقد كانَ في الآيَةِ 2 مَخلوقاً من عَلَق، وفي الآيَةِ 5 مُعَلَّماً ما لم يَعلَم، وهو الآن «طاغ». والجذرُ ط-غ-ي يَدورُ على تَجاوُزِ الحَدِّ المَرسوم: فَيضِ الماءِ من الإناء، وارتِفاعِ المَوجِ فَوقَ ما يَنبَغي، وخُروجِ الكائنِ عن حَيِّزِه. واللامُ مع المُضارِعِ في «لَيَطغى» تَجعَلُ الطُّغيانَ صِفَةً مُتَكَرِّرَةً مُستَمِرَّةً في النَّوع، لا حَدَثاً في الماضي. والآيَةُ التاليَةُ ستُسَمِّي السَّبَب، غَيرَ أنَّ التَّشخيصَ يَنزِلُ أَوَّلاً.