البقرة · الآية 70

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

«تَشَابَهَ عَلَيْنَا» جذر: ش-ب-ه

الجذر ش (انتشار + تَفَرُّق) + ب (اتّصال + تَمَسُّك) + ه (هَمس + تَنَفُّس)، فالشِّبهُ تَشعّبٌ يَظهر مُتَماثل الوَجه فيَخفى التَّمييز. و«على» هنا تُفيد الثِّقَل، أي أنّ الشِّبه ثَقُلَ عَليهم فلم يَقدروا على التَّمييز. وقالوا «تَشابَه» دون «اشتَبَه علينا»، أي ارتَدّ الفِعل إلى الأشياء نَفسها.

«إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ»

والمَشيئة مِن (ش+ي+أ)، وهي تَعلّق القَصد بالوُجود. والمُهتدي مَن سار على طَريق مُنخفضٍ رَفيقٍ. واللّامُ في «لَمُهتَدون» تُؤكّدُ ادّعاءً أكبرَ من الحَقيقة، أي ادّعوا اهتداءً مَشروطًا أَوكَدَ مِمّا يَحتَمِلُه مَوقِفُهم.


حَصيلة

يَأتي السُّؤالُ الثّالِثُ بِعِلّةٍ مُختَلِفةٍ عَنِ السّابِقَتَين، فهُم يَنقُلونَ فيه المَسؤوليّةَ إلى الأَشياءِ ذاتِها، ولا يَطلُبونَ تَحديدَ خاصّيّةٍ جَديدة. و«تَشابَهَ عَلَينا» من ش-ب-ه، وهو الفِعلُ المُطاوِعُ الذي يَعودُ إلى الأَشياءِ نَفسِها لا إلى أَعيُنِهِم، وقد قالوا «تَشابَه» بِفِعلِ البَقَرِ ذاتِه، دونَ «اشتَبَهَ عَلَينا» بِأَثَرِ نَظَرِهِم. و«عَلَينا» تُضيفُ ثِقَلاً، أي أَنَّ الشِّبهَ ثَقيلٌ وَقَعَ فَوقَهُم. وهذا تَحَوُّلٌ دَقيقٌ مِنَ الاستِهزاءِ (آية 67) إلى طَلَبِ التَّفصيلِ (68-69) إلى إلقاءِ المَسؤوليّةِ على الأَشياءِ (70)، وهو نَمَطٌ في تَهَرُّبِ النَّفس. ثُمَّ يَأتي أَوَّلُ اعتِرافٍ بِالحاجة: «إن شاء الله لَمُهتَدون»، غَيرَ أَنَّ اللّامَ في «لَمُهتَدون» تَحمِلُ تَأكيداً يَتَعارَضُ مَعَ الاعتِرافِ الذي سَبَقَه، فكأَنَّهُم أَقَرّوا بِالحاجةِ ثُمَّ تَغَطَّوا بِصيغةِ المُتَأَكِّدِ المُطمَئِنّ. والمَشيئةُ من ش-ي-أ تَعَلُّقُ القَصدِ بِالوُجود، فهي حَدٌّ فاصِلٌ يَكسِرُ تَوَهُّمَ الامتِلاك. والهُدى من ه-د-ي طَريقٌ مُنخَفِضٌ يَدفَعُ السّالِكَ بِرِفق، وليسَ مَوضِعَ ادِّعاء. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: التَّشابُهُ انتِقالٌ لِلمَسؤوليّةِ مِنَ النَّفسِ إلى الأَشياء، و«إن شاءَ الله» اعتِرافٌ بِالحاجةِ يَظَلُّ مُغَطّىً بِلامِ التَّأكيد.