البقرة · الآية 118

﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

«الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»: وَصفٌ لا اتِّهامٌ أخلاقيّ

التَّعبيرُ القُرآنِيُّ دَقيق: «الَّذينَ لا يَعلَمون» وَصفٌ لِحالةِ مَن لم يَتَّصِلْ بِهِم كِتابٌ ولا تَرَبَّوا على نَصٍّ سابِق، وليسَ شَتيمةً ولا حُكماً بِجَهلٍ مُطلَق. وهو يُقابِلُ في الآياتِ السّابِقةِ «أهلَ الكِتاب» ويُكَمِّلُ رَسمَ المَشهَد: المَقولةُ نَفسُها تَتَكَرَّرُ على ألسِنةِ الفَريقَين. والمُهِمُّ أنَّ الجَهلَ ليسَ عُذراً في المُطالَبة، ولا يَرفَعُ عَنهُم تَبِعةَ ما يُطلَبُ مِنهُم.

جذرا (ك ل م) و(أ ت ي) في «يُكَلِّمُنَا» و«تَأْتِينَا»: طَلَبُ الخِطابِ الخاصّ

و«يُكَلِّمُنا» من (ك ل م)، وهو إمساكُ امتِدادٍ في صَوتٍ (كل) يَتَجَمَّعُ (م) في خِطابٍ مُوَجَّهٍ إلَينا نَحنُ بِالذّات. و«تَأتينا آيةٌ» من (أ ت ي) و(أ ي ي)، أي تَجيءُ إلَينا عَلامةٌ على مِقاسِنا. والمَطلَبُ اشتِراطُ تَصميمِ الدَّليلِ بِاسمِ الطّالِبِ نَفسِه، وليسَ رَغبةً في الدَّليل، وهذا قَلبٌ لِعَلاقةِ المُرسِلِ بِالمُستَقبِل: المُستَقبِلُ يُريدُ أن يُمليَ شَكلَ الرِّسالة، والبَيِّناتُ المَوجودةُ يُستَصغَرُ شَأنُها ما لم تَحمِلِ اسمَه.

«كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»: المَقولَةُ نَمَطٌ مُتَكَرِّرٌ عَبرَ الأجيال

والاسمُ المَوصولُ في «الَّذينَ مِن قَبلِهِم» عامٌّ يَشمَلُ كُلَّ جيلٍ سَبَقَ ورَفَضَ البَيِّنات. وأوَّلُ مَن نَصَّت عَلَيه السّورةُ في هذا النَّمَطِ قَومُ موسى في لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، غَيرَ أنَّ القُرآنَ لم يَحصُرْهُم في قَومٍ بِعَينِه، لأنَّ المَقولةَ أوسَعُ من نِسبةٍ تاريخِيّة: هي طَلَبُ الخِطابِ الشَّخصِيِّ شَرطاً لِلإيمان.

جذر (ش ب ه) في «تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ»: تَكرارُ السَّطحِ لا تَكرارُ الجَوهَر

و«تَشابَهَت» من (ش ب ه)، وهو انتِشارٌ ظاهِرِيٌّ (شب) يُفَرِّغُ التَّمييز (ه). وأوثِرَ «تَشابَهَت» على «اتَّحَدَت قُلوبُهُم»: السَّطحُ واحِد، والجَوهَرُ قد يَتَفاوَت، غَيرَ أنَّ آلِيّةَ الرَّفضِ واحِدة. والقَلبُ الذي يَشتَرِطُ آيةً شَخصِيّةً في كُلِّ جيلٍ هو القَلبُ نَفسُه الذي يُعيدُ المَطلَب، والذي بَينَ الأجيالِ تَماثُلٌ في نَمَطِ الاستِقبال، وليسَ تَواصُلاً في النَّسَب.

جذر (ي ق ن) في «يُوقِنُون»: استِقرارُ العِلمِ مَوضِعُ الاستِفادَةِ من البَيِّنات

و«يُوقِنُون» من (ي ق ن)، وهو اتِّصالٌ مُمتَدٌّ (ي) يَستَقِرُّ في حَدٍّ مُحكَم (ق) ثُمَّ يَنفُذُ إلى العُمقِ فيَرسُخ (ن). واليَقينُ استِقرارُ العِلمِ في القَلبِ حتّى يَرتاحَ ولا يَعودَ يَتَطَلَّبُ دَليلاً جَديداً كُلَّ يَوم، فَوقَ ما فيه من شِدّةِ الإيمان. وقَولُه قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يَحصُرُ الفائِدةَ فيمَنِ استَقَرَّ قَلبُه: البَيِّنةُ حاضِرةٌ لِلجَميع، لكِنَّها تُثمِرُ في القَلبِ المُستَقِرّ، ومَنِ اشتَرَطَ الخِطابَ الخاصَّ مَوقِعُه قَلبٌ لم يَرسُ بَعدُ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الَّذينَ لا يَعلَمون» وَصفٌ لِحالةٍ لا هُوِيّةٌ اتِّهامِيّة، و«التَّكليمُ والإتيانُ بِآية» طَلَبُ خِطابٍ مُصَمَّمٍ على اسمِ الطّالِب، و«كَذلِكَ قالَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم» إعلانُ نَمَطٍ مُتَكَرِّر، و«تَشابَهَت قُلوبُهُم» تَماثُلُ آلِيّةِ الرَّفضِ لا تَماثُلُ النَّسَب، و«يُوقِنون» مَوقِعُ القَلبِ الذي تُثمِرُ فيه البَيِّنة.


حَصيلة

«الَّذينَ لا يَعلَمون» من جِذرِ ع-ل-م وَصفٌ لِحالةِ مَن لم يَتَّصِلْ بِهِم نَصٌّ سابِق، لا حُكمٌ بِجَهلٍ مُطلَق، وقد جاءَ قَولُهُم مُوازِياً لِقَولِ أهلِ الكِتابِ في الآيةِ السّابِقة، فكِلا الفَريقَينِ وَقَعا في النَّمَطِ نَفسِه. وهذا النَّمَطُ اشتِراطُ خِطابٍ مُصَمَّمٍ بِاسمِهِم: «يُكَلِّمُنا» من جِذرِ ك-ل-م يَطلُبُ إمساكاً إلهِيّاً مُباشِراً بِالمُتَكَلَّمِ مَعَهُم تَحديداً، و«تَأتينا آيةٌ» طَلَبُ عَلامةٍ على مِقاسِهِم دونَ عَلامةٍ عامّة. ويَكشِفُ القُرآنُ أنَّ هذا الطَّلَبَ لم يَنقَطِعْ عَبرَ التّاريخ، و«كَذلِكَ قالَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم» نَمَطٌ يَتَجاوَزُ الزَّمانَ والمَكان. و«تَشابَهَت قُلوبُهُم» من جِذرِ ش-ب-ه، وبِه يَنكَشِفُ أنَّ التَّشابُهَ في السَّطحِ لا في الجَوهَر: آلِيّةُ الرَّفضِ واحِدةٌ وإن تَفاوَتَتِ الثَّقافات. والجَوابُ كَشفٌ لِشَرطِ الإفادة، وليسَ رَفضاً لِلطَّلَب: «قَد بَيَّنّا الآياتِ لِقَومٍ يوقِنون»، واليَقينُ من جِذرِ ي-ق-ن اتِّصالٌ يَبلُغُ العُمقَ ويَنفُذُ إلى الباطِنِ فيَرسُخ، والقَلبُ الذي رَسَخَ لا يَعودُ يَطلُبُ دَليلاً جَديداً كُلَّ يَوم. والبَيِّناتُ مَبذولةٌ لِلجَميع، وعَدَمُ الاستِفادةِ مِنها مَوقِعُه الاستِقبالُ لا الإرسال.