آل عمران · الآية 196

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ

«لَا يَغُرَّنَّكَ»: النهيُ المؤكَّدُ يَحرسُ إدراكَ مخاطَبٍ مفرد

تَبدأُ «لا» بنهيٍ يَدخلُ على مضارعٍ اتّصلَ بنونِ التوكيدِ الثقيلة: لا يغرّنّك. وكافُ الخطابِ مفعولٌ به لمخاطَبٍ مفرد، والفاعلُ متأخّرٌ إلى الكلمةِ التالية. والغرورُ من غ-ر-ر غَؤورٌ يَجري مسترسلاً ثمّ تُعيدُ الراءُ جريانَ اللمسةِ حتى تُغطّي وجهَ التقديرِ الصحيح، وتَضعيفُ الراءِ في الفعلِ يُعيدُ الغِطاءَ كَرّةً بعدَ كَرّةٍ حتى يَستقرَّ على وجهِ التقدير. والنهيُ يَسدُّ الطريقَ إلى أن يَفعلَ الفاعلُ ذلك بالمخاطَب، ولا يَحكمُ بأنّه قد اغترّ.

«تَقَلُّبُ»: التَّقَلُّبُ هو الظّاهِرُ المُغرِي

ويأتي «تقلّب» مرفوعاً فاعلاً للفعل، وهو مصدرٌ مضافٌ إلى الموصولِ بعدَه. والقلبُ من ق-ل-ب: عقدٌ في العمقِ يَتعلّقُ بالمَحلِّ ثمّ يَتَّصلُ بوجهٍ آخر، فيَحملُ تحويلاً من جهةٍ إلى جهة. وبناءُ المصدرِ على التفعّلِ يَرُدُّ الحركةَ إلى أصحابِها ويُعيدُها عليهم، فهي تنقّلٌ متجدّدٌ يَعرضُ للمخاطَبِ مرّةً بعدَ مرّة. والمنهيُّ عن الاغترارِ به هذا الظهورُ المتحرّكُ نفسُه، إذ قد يَمنحُ كثرةُ التحوّلِ صورةَ رسوخٍ تَخدعُ التقدير.

«الَّذِينَ كَفَرُوا»: الحَجبُ يُعَرِّفُ أَصحابَ الحَرَكة

وأُضيفَ المصدرُ إلى موصولٍ تَعرّفَ بصلتِه «كفروا»، والفعلُ ماضٍ جمعيّ، فيُسنِدُ الكفرَ إلى أصحابِ التقلّبِ المذكورين. والكفرُ من ك-ف-ر التقاءٌ غائرٌ يَفتحُ مجرىً ثمّ يَجري ساتراً، فيَحملُ تغطيةً لما يَبلغه. والإضافةُ والصلةُ تَضمّانِ الفعلَينِ في فئةٍ واحدة: الذين وقعَ منهم الكفرُ هم أصحابُ التقلّبِ الذي يَراه المخاطَبُ في البلاد.

«فِي الْبِلَادِ»: البِلادُ مَجالُ التَّقَلُّب

ويتعلّقُ «في البلاد» بالمصدر، فيَجعلُ البلادَ مجالَ حركتِهم. والبلدُ من ب-ل-د اتصالٌ يَمتدُّ ويتعلّقُ ثمّ يَثبتُ بضغط، فيَحملُ حَيِّزاً متماسكاً يُقامُ فيه، وجمعُ «البلاد» مع التعريفِ يُوسِّعُ المجالَ أمامَ الحركةِ المتجدّدة. والمشهدُ الذي يَظهرُ للمخاطَبِ تقلّبٌ واسعٌ عبرَ بلادٍ كثيرة، وهذا الظهورُ بعينِه هو الذي يُطالَبُ أن يَحفظَ تقديرَه من اغترارِه.


حَصيلة

تَصوغُ الآيةُ نهياً واحداً شديدَ التوكيد، وتَبنيه بدقّة: المخاطَبُ مفرد، والفاعلُ «تقلّب» مضافاً إلى الذين عرّفتْهم صلةُ الكفر، وقد عُدِلَ به عن إسنادِ الفعلِ إلى الجماعةِ مجرّدةً، ومجالُ التقلّبِ البلاد. فالمنظورُ الذي نَهى النصُّ عن الاغترارِ به هو التقلُّبُ نفسُه، أي حركةٌ متكرّرةٌ في البلاد. ويَجتمعُ التجدّدُ في البِنيتَين: تَفعُّلٌ في التقلّبِ يُعيدُ الحركة، وتَضعيفٌ في الغرورِ يُعيدُ الغِطاء. وبذلك لا يُنكِرُ النصُّ الحركةَ الظاهرة؛ يَنهى أن تَتحوّلَ في إدراكِ المخاطَبِ إلى غطاءٍ يَخدعُه عن تقديرِها.