الكِفاية
**إمساكٌ غائِرٌ يَحجُبُ ما وَراءَه، ثُمَّ إبعادٌ لِما دونَه، ثُمَّ امتِدادٌ لَيِّنٌ لا يَعتَرِضُه حاجِز**. لَيسَتِ الكِفايةُ في هذا الجَذرِ مِقداراً يُوازي حاجةً، فلَيسَ في حُروفِه الثَّلاثةِ عَدٌّ ولا تَقدير، بَل **حاجِزٌ يُبعِدُ وامتِدادٌ لا يَنقَطِع**. ولِذلك جاءَ الفِعلُ في المُسَجَّلِ حينَ تَعَدّى يَنصِبُ اثنَينِ بِلا حَرفٍ بَينَهُما، المَحفوظَ وما حُفِظَ منه؛ وحينَ ابتَدَأَ الجُملةَ بِنَفسِه وَقَفَ عِندَ فاعِلٍ تَحتَ باءٍ زائِدةٍ ومَنصوبٍ يُبَيِّنُ الجِهةَ التي بِها كَفى.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ك :: التِقاءٌ غائِرٌ لِأقصى اللِّسانِ بِأقصى الحَنَكِ يَكتِمُ
النَّفَسَ مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مَهموساً قاطِعاً. فالمَبدَأُ كَتمٌ في العُمقِ يَنتَهي إلى قَطع.
- ف :: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا العُليا يَشُقُّ
مَجرًى ضَيِّقاً يَنفُذُ منه النَّفَسُ جَرَياناً مُتَّصِلاً ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. فالوَسَطُ نَفاذٌ يُفَرِّقُ ويُبعِد.
- ي :: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا
حَبسَ فيه، فيَسري الصَّوتُ سَرَياناً مَمدوداً، ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً إلى ما بَعدَه. فالمُنتَهى امتِدادٌ لا يَعتَرِضُه حاجِز.
النَّواةُ كَف (ك + ف) = إمساكٌ غائِرٌ يَحجُبُ ما وَراءَه ويُبعِدُ ما دونَه. والخَتمُ بِـي لا يَقطَعُ هذا الحَجبَ بَل يَمُدُّه بِلا حَدّ. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: حاجِزٌ مُمسَكٌ يُبعِدُ، ويَمتَدُّ فلا يَنقَطِع.
وهذه النَّواةُ لَها في المُصحَفِ المَنشورِ خَمسةُ شُهود، كُلُّها جُذورٌ مُستَقِلّةٌ تَبتَدِئُ بِـ«كَف»، ولا يُحتاجُ في إثباتِها إلى مُعجَم:
- ك-ف-ر في «كَفَرُوا» و«الْكَافِرِينَ»: تَغطِيةٌ تَستُرُ ما تَحتَها.
- ك-ف-ل في «وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا» (٣:٣٧) و«أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
مَرْيَمَ» (٣:٤٤): ضَمُّ الشَّيءِ إلى مَن يَحوطُه.
- ك-ف-ف في «ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً» (٢:٢٠٨): جَمعٌ لا
يَشِذُّ عنه طَرَف.
- ك-ف-ء في «وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ» (١١٢:٤): ما يُقابِلُ
الشَّيءَ فيَسُدُّ مَسَدَّه.
- ك-ف-ي في المَواضِعِ السِّتّةِ التي يَقرَؤُها هذا المَفهوم.
فالنَّواةُ واحِدةٌ في خَمسةٍ: إمساكٌ يُحيطُ ويَحجُب. والحَرفُ الثّالِثُ هو الذي يُعَيِّنُ الجِهة: ر تُجري السَّترَ وتُديمُه، ول تُلصِقُ المَحوطَ بِحائِطِه، وف تُضاعِفُ الحَجبَ على نَفسِه، وء تَنصِبُ الحاجِزَ في وَجهِ مُقابِلٍ لَه، وي تَمُدُّه بِلا مُنتَهى.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة ثَلاثةُ أُمور:
الأوَّل: لِماذا يَنصِبُ الفِعلُ اثنَينِ بِلا حَرفٍ بَينَهُما. في عامّةِ الألسُنِ يَحتاجُ فِعلُ الكِفايةِ إلى حَرفٍ يُبَيِّنُ ما وُقِيَ منه («من»، «عن»، «دون»). وف في هذا الجَذرِ تَحمِلُ الإبعادَ نَفسَه، فالفَصلُ داخِلُ الفِعلِ لا في الأداة. ولِذلك جاءَ في ٢:١٣٧ «كَ» ثُمَّ «هُمُ» مُتَعاقِبَينِ لاصِقَينِ لا حَرفَ بَينَهُما، والفِعلُ الذي يَسبِقُهُما هو الذي يُفَرِّقُ بَينَهُما.
الثّاني: لِماذا يَجتَمِعُ في الفِعلِ مَعنَيانِ. يُقالُ «كَفاهُ الأمرُ» أي أغناهُ فلَم يَطلُبْ زِيادة، ويُقالُ «كَفاهُ الأمرَ» أي دَفَعَه عنه. وهُما وَجهانِ لِحَرفَين: ف لِلإبعاد، وي لِلامتِدادِ الذي لا يَنقَطِعُ فلا يَبقى بَعدَه طَلَب. والمَواضِعُ السِّتّةُ تَنقَسِمُ بَينَهُما قِسمةً غَيرَ مُتَساوِية: وَجهُ الإبعادِ مَوضِعٌ واحِدٌ هو ٢:١٣٧، وهو الوَحيدُ الذي يُسَمّي المُصحَفُ فيه مَدفوعاً؛ ووَجهُ الامتِدادِ خَمسةٌ، ٣:١٢٤ وأربَعةُ الإسراء، لا يُسَمّى في واحِدٍ منها مَدفوعٌ أصلاً، بَل يَقِفُ الكَلامُ عِندَ كافٍ لا يُطلَبُ بَعدَه غَيرُه.
الثّالِث: لِماذا لا تُقاسُ الكِفايةُ بِمِقدار. لَيسَ في الحُروفِ الثَّلاثةِ عَدٌّ ولا وَزنٌ ولا مُوازَنة. وهُنا يَنفَصِلُ هذا الجَذرُ عن جارِه الذي يُؤَدّي المَعنى نَفسَه في الظّاهِر: «حَسْبُنَا اللَّهُ» في ٣:١٧٣. فجَذرُ حَسْبٍ هو ح-س-ب، والمُصحَفُ المَنشورُ يَكتُبُه في مَعنى العَدِّ والتَّقديرِ صَريحاً: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» في ٢:٢١٢ و٣:٢٧ و٣:٣٧، و«يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ» في ٢:٢٧٣، و«وَلَا تَحْسَبَنَّ» في ٣:١٦٩. فالكَلِمتانِ تَلتَقِيانِ في المُؤَدّى وتَفتَرِقانِ في الطَّريق: تِلكَ حِسابٌ أُغلِقَ، وهذه حاجِزٌ امتَدّ. والفَرقُ مَقروءٌ من المُصحَفِ لا من المُعجَم.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
سِتّةُ مَواضِعَ وثَلاثُ صِيَغ، كُلُّها من الثُّلاثيِّ المُجَرَّدِ (كَفى يَكفي): مُضارِعانِ لا يَتَكَرَّرُ واحِدٌ منهُما، وماضٍ واحِدٌ يَتَكَرَّرُ أربَعَ مَرّاتٍ في سورةٍ واحِدة.
- فَسَيَكْفِيكَهُمُ (٢:١٣٧؛ مُضارِعٌ مَرفوع، دَخَلَت عليه فاءُ
الجَوابِ ثُمَّ سينُ الاستِقبال، واتَّصَلَ بِه ضَميرانِ مُتَعاقِبان): وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَظهَرُ فيه المَفعولانِ مَعاً.
- يَكْفِيَكُمْ (٣:١٢٤؛ مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِـ«لن» وقد دَخَلَت عليها
هَمزةُ الاستِفهام، واتَّصَلَ بِه ضَميرُ المُخاطَبينَ مَفعولاً): وفاعِلُه مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ يَأتي بَعدَه لا اسمٌ ظاهِرٌ يَسبِقُه.
- كَفَىٰ (١٧:١٤ و١٧:١٧ و١٧:٦٥ و١٧:٩٦؛ ماضٍ لِلغائِبِ المُفرَد،
يَرِدُ عارِياً مَرَّتَينِ ومَعطوفاً بِواوٍ مَرَّتَين): أربَعةُ مَواضِعَ لا مَفعولَ بِه في واحِدٍ منها.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لا يَرِدُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ على مَزيدٍ
أصلاً، ولا يَرِدُ منه أمرٌ ولا مَصدَرٌ («كِفاية») ولا اسمُ فاعِلٍ
(«كافٍ»). والسِّتّةُ تَنقَسِمُ قِسمَينِ لا يَختَلِطان.
فالمُضارِعانِ يَشتَرِكانِ في ثَلاثة. الأوَّل: كِلاهُما مَقرونٌ
بِأداةِ استِقبال، سينٍ في هذا ولَنْ في ذاك، فلا يُخبَرُ عن كِفايةٍ
وَقَعَت بَل عن كِفايةٍ تَقَع. والثّاني: كِلاهُما مَسبوقٌ بِأداةٍ
لَيسَت منه، فلا يَبتَدِئُ الكَلامَ بِنَفسِه. والثّالِث: الإنسانُ في
كِلَيهِما مَفعولٌ بِه مُتَّصِلٌ بِالفِعل.
وأربَعةُ الماضي تَشتَرِكُ في أربَعة. الأوَّل: الفِعلُ يَبتَدِئُ
جُملَتَه بِنَفسِه، مُستَأنَفاً في ١٧:١٤ و١٧:٩٦ ومَعطوفاً بِواوٍ في
١٧:١٧ و١٧:٦٥، ولا أداةَ استِقبالٍ عليه. والثّاني: فاعِلُه مَجرورٌ
لَفظاً بِباءٍ زائِدةٍ مَرفوعٌ مَحَلّاً: «بِنَفْسِكَ» ثُمَّ
«بِرَبِّكَ» مَرَّتَينِ ثُمَّ «بِاللَّهِ». والثّالِث: يَتلوهُ
مَنصوبٌ نَكِرةٌ يُبَيِّنُ الجِهةَ التي بِها كَفى: «حَسِيبًا»
و«خَبِيرًا بَصِيرًا» و«وَكِيلًا» و«شَهِيدًا». والرّابِع: لا مَفعولَ
بِه في واحِدٍ منها البَتّة. فحَيثُ تَعَدّى الفِعلُ لم يَبتَدِئْ،
وحَيثُ ابتَدَأَ لم يَتَعَدَّ.
والذي يَجمَعُ السِّتّةَ جَميعاً واحِدٌ لا غَير: أنَّ الصّيغةَ لا
تَجري على لِسانِ العَبدِ عن نَفسِه في مَوضِعٍ واحِد. وفي ١٧:١٤ نَفسُ
المُخاطَبِ هي الفاعِل، لكنَّ المُتَكَلِّمَ لَيسَ هو العَبد؛ وفي
١٧:٩٦ يَجري اللَّفظُ على لِسانِ مَأمورٍ بِالقَولِ لكنَّ الفاعِلَ
غَيرُه. فالدَّعوى في المُتَكَلِّمِ وفي المُخبَرِ عنه مَعاً، لا في
مَوقِعِ الإعرابِ وَحدَه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
tawakkul(التَّوَكُّل والوَكيل، و-ك-ل): طَرَفانِ لِحَرَكةٍ
واحِدة، وقِسمَتُهُما في المُسَجَّلِ حادّة. التَّوَكُّلُ فِعلُ العَبدِ وصِيَغُه كُلُّها طَلَبٌ والعَبدُ فيها فاعِل؛ والكِفايةُ لا تَكونُ عَمَلاً يَعمَلُه العَبد، والعَبدُ فيها مَفعولٌ حَيثُ تَعَدّى الفِعل. وقد جاءَت في ١٧:١٤ ونَفسُ المُخاطَبِ فاعِلُها مَحَلّاً تَحتَ باءٍ زائِدة، ولَيسَ ذلك عَمَلاً مِنه بَل حِسابٌ يَقومُ عليه بِنَصِّ «عَلَيْكَ». فهُناكَ يَضَعُ الإنسانُ ثِقلَه، وهُنا يوضَعُ الحاجِزُ دونَه أو عليه. ولِذلك لم يَقُلِ المُصحَفُ على لِسانِ القَومِ في ٣:١٧٣ «يَكفينا الله» بَل «حَسْبُنَا اللَّهُ»: صيغةُ الاسمِ من جَذرِ العَدِّ تَجري على ألسِنَتِهِم عن أنفُسِهِم، وصيغةُ الفِعلِ من هذا الجَذرِ لا تَجري عن أنفُسِهِم البَتّة، وإن جَرَت على لِسانِ مَأمورٍ بِالقَولِ كما في ١٧:٩٦ فعن غَيرِه لا عن نَفسِه. وهُما يَلتَقِيانِ في المُسَجَّلِ في جُملةٍ واحِدةٍ لا غَير، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ في ١٧:٦٥، فيَصيرُ الوَكيلُ تَمييزَ الكافي.
nasr(النَّصر، ن-ص-ر): المَحَلُّ مُختَلِف. النَّصرُ يَقَعُ على
المَنصورِ في مُواجَهةِ خَصمٍ ويَقتَضي مَعرَكةً بَينَهُما، والكِفايةُ تَقَعُ بَينَ الاثنَينِ فتَفصِل. ولِذلك جاءَ النَّصرُ في ٣:١٢٣ ماضِياً مُثبَتاً وجاءَتِ الكِفايةُ بَعدَه مُستَقبَلةً مَسؤولاً عنها.
madd(المَدُّ والإمداد، م-د-د): الجَذرانِ مَربوطانِ في ٣:١٢٤
بِرِباطٍ نَحويٍّ يَصنَعُه المُصحَفُ نَفسُه: المَصدَرُ المُؤَوَّلُ من م-د-د هو فاعِلُ فِعلِ الكِفاية. فالإمدادُ هو الذي يَكفي، ولَيسَ الكِفايةُ نَوعاً من الإمداد.
imsak(الإمساك، م-س-ك): كِلاهُما إمساك، والفَرقُ في المُمسَك:
م-س-ك تُثَبِّتُ الشَّيءَ في مَوضِعِه، وك-ف-ي تُمسِكُ ما بَينَ شَيئَينِ فتُبعِدُ أحَدَهُما عن الآخَر. فذاكَ إمساكُ عَين، وهذا إمساكُ مَسافة.
hifz(الحِفظ، ح-ف-ظ): الحِفظُ إحاطةٌ تَمنَعُ الانفِلاتَ من
الدّاخِلِ ومن الخارِجِ مَعاً، والكِفايةُ لا تَنظُرُ إلّا إلى الخارِج. فالمَحفوظُ مَضمومٌ، والمَكفيُّ مَفصولٌ عمّا يُؤذيه ولَيسَ مَضموماً بِاللَّفظ.
kufrوkuf2(ك-ف-ر وك-ف-ء): أخَوانِ بِالنَّواةِ لا
بِالجَذر، وقد بُنِيَ عليهِما شَطرٌ من القِسمِ الأوَّل. والفَرقُ العَمَليّ: ك-ف-ر تُغَطّي ما تَحتَها فتَستُرُ حَقّاً، وك-ف-ء تَنصِبُ الحاجِزَ في وَجهِ مُماثِل، وك-ف-ي تُبعِدُ ما يَضُرُّ. فحَرَكةٌ واحِدةٌ وثَلاثةُ مَواقِع.
- وأمّا الكَفالةُ (ك-ف-ل) والكَفُّ (ك-ف-ف) فلا مَفهومَ لِواحِدٍ
منهُما إلى الآن، وجَذراهُما وارِدانِ في المَنشورِ كما تَقَدَّمَ في القِسمِ الأوَّل. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى سُجِّلَ لَهُما مَفهوم: أنَّ الكَفالةَ تَضُمُّ المَكفولَ إلى كافِلِه فتَجعَلُ بَينَهُما وَصلاً، والكِفايةَ تَفصِلُ بَينَ طَرَفَينِ فتَجعَلُ بَينَهُما حاجِزاً. والنَّواةُ واحِدةٌ والجِهةُ مُنعَكِسة.
المَواضع: مَواقعُ الكِفايةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٣٧ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ:
يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ بِمَفعولَينِ لا حَرفَ بَينَهُما، ومَفعولُه الثّاني قَومٌ لا حاجةٌ ولا نَقص. فالمَكفيُّ في أوَّلِ مَوضِعٍ لا يُكفى عَوَزاً بَل يُكفى ناساً، وهذا يَصرِفُ الجَذرَ عن بابِ المِقدارِ إلى بابِ الفَصل. ويَتَأَخَّرُ لَفظُ الجَلالةِ عن الضَّميرَينِ فيَبتَدِئُ الكَلامُ بِالطَّرَفَينِ ويَنتَهي بِالفاعِل، فيُذكَرُ ما بَينَهُما قَبلَ أن يُذكَرَ مَن يُقيمُه. ويَنتَقِلُ الخِطابُ في الآيةِ من جَمعٍ إلى مُفرَد: «آمَنتُم» لِجَماعةٍ ثُمَّ «كَ» لِواحِد، فتُوَجَّهُ الكِفايةُ إلى واحِدٍ بِعَينِه وإن كانَ ما قَبلَها لِجَماعة. ومَوقِعُها جَواباً لِشَرطِ «وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ» يُعَيِّنُ ما تُدفَعُ بِه: انشِقاقٌ لا قِتال، فالكِفايةُ جَوابُ الشِّقاقِ لا جَوابُ السَّيف. ويُختَمُ المَوضِعُ بِـ«وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، وهُما وَصفانِ يَبلُغانِ بِلا حَرَكة، فلا يُحتاجُ من المَكفيِّ إلى إبلاغٍ ولا استِنفار. انظُر sam3 وhidaya.
- ٣:١٢٤ ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾: يُنقَلُ الثّاني من
المَفعولِ إلى الفاعِل. الجَديدُ: يَختَفي المَفعولُ الثّاني فلا يُسَمّى في الآيةِ عَدُوٌّ ولا مَدفوعٌ أصلاً، ويَحُلُّ مَحَلَّه في التَّركيبِ فاعِلٌ: «أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم». فما كانَ في ٢:١٣٧ هو المُبعَدَ صارَ هُنا هو المُرسَل، وانتَقَلَ من جِهةِ المَفعولِ إلى جِهةِ الفاعِل. فيَظهَرُ الوَجهُ الثّاني من الجَذرِ: هُناكَ حاجِزٌ يُبعِد، وهُنا امتِدادٌ يَصِل. وتَنقَلِبُ الصّيغةُ من خَبَرٍ مُثبَتٍ إلى استِفهامٍ داخِلٍ على نَفي، فلا يُسأَلُ عن الكِفايةِ بَل يُنكَرُ نَفيُها، وهو أقوى في التَّقريرِ من الإثباتِ المُجَرَّد. ويَنقَلِبُ المُخاطَبُ من مُفرَدٍ إلى جَمعٍ عَكسَ ما وَقَعَ هُناك. وتَبقى القاعِدةُ على حالِها: المُخاطَبُ مَفعول، والفاعِلُ لَيسَ إنساناً وإن جَرى القَولُ على لِسانِ إنسان، لِأنَّ «تَقُولُ» لِلقائِلِ و«يَكْفِيَ» لِلمَصدَرِ الذي فاعِلُه «رَبُّكُم». ويُذكَرُ العَدَدُ في جانِبِ المُرسَلِ وَحدَه («ثَلَاثَةِ آلَافٍ») ولا يُذكَرُ في جانِبِ المَدفوع، فلا مُوازَنةَ في الآيةِ بَينَ عَدَدَين. وتَسبِقُه ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، فيَجيءُ السُّؤالُ بَعدَ نَصرٍ ثابِتٍ لا قَبلَه. انظُر madd وmalak.
- ١٧:١٤ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: الماضي يَبتَدِئُ، وفاعِلُه نَفسُ المُخاطَب.
الجَديدُ: يَدخُلُ الماضي المُسَجَّلَ لِأوَّلِ مَرّة، فيَسقُطُ شَرطُ الاستِقبالِ الذي كانَ يَجمَعُ المَوضِعَينِ الأوَّلَين، ولا أداةَ قَبلَ الفِعلِ أصلاً بَل يَبتَدِئُ جُملَتَه بِنَفسِه. وفاعِلُه لَيسَ لَفظَ الجَلالةِ ولا مَصدَراً مُؤَوَّلاً بَل «بِنَفْسِكَ»: نَفسُ المُخاطَبِ نَفسِه، مَجرورةٌ لَفظاً بِباءٍ زائِدةٍ مَرفوعةٌ مَحَلّاً. فأوَّلُ فاعِلٍ إنسانِيٍّ لِهذا الفِعلِ في المُسَجَّلِ هو نَفسُ مَن كانَ في المَوضِعَينِ الأوَّلَينِ مَفعولاً. ولا مَفعولَ بِه هُنا البَتّة: بَعدَ الفِعلِ ظَرفٌ («الْيَوْمَ») وجارٌّ ومَجرورٌ («عَلَيْكَ») ومَنصوبٌ («حَسِيبًا»). و«عَلَيْكَ» تَقلِبُ الجِهةَ التي كانَت: كانَتِ الكِفايةُ تَقَعُ لِلمُخاطَبِ فصارَت تَقَعُ عليه، فالحاجِزُ الذي كانَ يُقامُ دونَه يُقامُ في وَجهِه، ومُقيمُه نَفسُه. ويَسبِقُه ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾، فالكِفايةُ جَوابُ قِراءةٍ لا جَوابُ شِقاقٍ كما في ٢:١٣٧: يُكتَفى بِالمَقروءِ فلا يُطلَبُ شاهِدٌ ثانٍ. و«حَسِيبًا» من ح-س-ب، وهو الجَذرُ الذي فَصَلَه القِسمُ الأوَّلُ عن هذا الجَذرِ فَصلاً حادّاً، فيَجمَعُهُما المُصحَفُ هُنا في جُملةٍ واحِدةٍ ولا يَخلِطُهُما: الكِفايةُ هي الحُكم، والحِسابُ مَنصوبٌ بَعدَها يُبَيِّنُ وَجهَها، فلا يُقاسُ الكافي بِعَدَدٍ بَل يُبَيَّنُ بِالعَدِّ وَجهُ كِفايَتِه. ولا مَفهومَ لِـح-س-ب إلى الآن، فيُذكَرُ هُنا نَثراً بِلا إحالة.
- ١٧:١٧ ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: الباءُ الزّائِدةُ لازِمةٌ لِلماضي لا لِنَوعِ
الفاعِل. الجَديدُ: يَعودُ الفاعِلُ إلى فَوق («بِرَبِّكَ») ويَبقى تَحتَ الباءِ الزّائِدةِ كما كانَ في ١٧:١٤، فتَبَيَّنَ أنَّ الباءَ لازِمةٌ لِلصّيغةِ لا لِجِنسِ الفاعِل. ويُنصَبُ بَعدَه اثنانِ («خَبِيرًا بَصِيرًا») لا واحِد، وهو أوَّلُ تَثنِيَةٍ في هذا المَقام. وتَدخُلُ باءٌ ثانِيَةٌ غَيرُ زائِدةٍ («بِذُنُوبِ عِبَادِهِ») فتُسَمّي ما وَقَعَتِ الكِفايةُ فيه، وهو ذَنبٌ لا عَدُوّ، فيُصرَفُ المَوضِعُ عن بابِ الدَّفعِ إلى بابِ الإحاطةِ بِالعِلم.
- ١٧:٦٥ ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: تَلتَقي الكِفايةُ والوَكالةُ في جُملةٍ واحِدة.
الجَديدُ: يَجتَمِعُ الجَذرانِ اللَّذانِ قَسَمَ بَينَهُما القِسمُ الثّالِثُ قِسمةً حادّةً في مَوضِعٍ واحِد: «كَفَىٰ» من ك-ف-ي و«وَكِيلًا» من و-ك-ل، والثّاني مَنصوبٌ بَعدَ الأوَّلِ يُبَيِّنُ جِهَتَه. فما كانَ يُقرَأُ طَرَفَينِ لِحَرَكةٍ واحِدةٍ صارَ هُنا فِعلاً وتَمييزَه: الكِفايةُ هي الحُكم، والوَكالةُ هي الوَجهُ الذي بِه كَفى. ويَسبِقُه ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فيَقَعُ الحاجِزُ بَينَ عِبادٍ ومَن نُفِيَ سُلطانُه عليهِم، وهو أصرَحُ مَوضِعٍ في المُسَجَّلِ يُسَمّى فيه الطَّرَفانِ اللَّذانِ بَينَهُما الفَصل. انظُر tawakkul.
- ١٧:٩٦ ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: تَجري على لِسانِ مَأمورٍ عن غَيرِه. الجَديدُ:
يَجري اللَّفظُ لِأوَّلِ مَرّةٍ على لِسانِ مَأمورٍ بِه («قُلْ»)، فتَسقُطُ صيغةُ الدَّعوى القَديمةِ من أنَّ الجَذرَ لا يَنزِلُ إلّا خِطاباً. والذي يَبقى أنَّ القائِلَ لا يَقولُه عن نَفسِه: الفاعِلُ «بِاللَّهِ» مُظهَراً لا مُضمَراً، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَقَعُ فيه لَفظُ الجَلالةِ تَحتَ الباءِ الزّائِدة، وقد كانَ في ٢:١٣٧ مَرفوعاً مُجَرَّداً منها. ويُحَدُّ مَوقِعُ الكِفايةِ بِـ«بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»، فيُسَمّى الطَّرَفانِ صَريحَينِ لِأوَّلِ مَرّة، ويُقرَأُ منه ما قَرَّرَه القِسمُ الأوَّل: أنَّ هذا الجَذرَ يُمسِكُ مَسافةً بَينَ اثنَينِ ولا يُمسِكُ عَيناً واحِدة. و«شَهِيدًا» يَنقُلُ الكِفايةَ من الدَّفعِ إلى الحُضورِ عِندَ الخُصومة، فيُكتَفى بِحاضِرٍ لا بِمانِع.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
tawakkulفي ٣:١٢٤ و٣:١٧٣: يوفي هذا المَفهومُ دَيناً
أعلَنَه tawakkul في سِجِلِّه: أنَّ ٣:١٧٣ تُقَدِّمُ الكِفايةَ على اسمِ الحامِلِ («حَسْبُنَا اللَّهُ» ثُمَّ «وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»). والذي يُضيفُه هذا المَفهومُ أنَّ الكَلِمةَ المُقَدَّمةَ هُناكَ لَيسَت من هذا الجَذر، وأنَّ ذلك مُطَّرِدٌ لا عَرَضيّ: صيغةُ ك-ف-ي لا تَجري على لِسانِ العَبدِ عن نَفسِه في مَوضِعٍ واحِدٍ من سِتّة. وأمّا كَونُ العَبدِ فيها مَفعولاً فمَقصورٌ على المُضارِعَين: في ١٧:١٤ نَفسُه فاعِلٌ مَحَلّاً تَحتَ باءٍ زائِدة، فالمُطَّرِدُ هو المُتَكَلِّمُ لا مَوقِعُ الإعراب. فالسّورةُ الواحِدةُ تَستَعمِلُ لِلمَعنى الواحِدِ لَفظَينِ بِحَسَبِ الجِهة: ما يَنزِلُ إلى القَومِ يُقالُ بِـ«يَكْفِيَكُمْ»، وما يَصعَدُ منهُم يُقالُ بِـ«حَسْبُنَا».
- مَعَ
nasrفي ٣:١٢٣ و٣:١٢٤: آيَتانِ مُتَتالِيَتانِ وجَذرانِ
مُتَعاقِبان. الأولى نَصرٌ ماضٍ مُؤَكَّدٌ بِاللّامِ و«قد»، والثّانِيَةُ كِفايةٌ مُستَقبَلةٌ في صيغةِ سُؤال. فالمُقَرَّرُ يَسبِقُ المَسؤولَ عنه، ويُقرَأُ السُّؤالُ مَبنِيّاً على ما ثَبَتَ لا مُبتَدَأً من فَراغ.
- مَعَ
maddوmalakفي ٣:١٢٤ و٣:١٢٥: العَدَدُ يَتَغَيَّرُ
والكِفايةُ لا تَتَغَيَّر. ثَلاثةُ آلافٍ في الآيةِ الأولى وخَمسةُ آلافٍ في التّالِيَة، والفِعلُ الذي يَكفي واحِدٌ في الحالَين. فيُقرَأُ من تَجاوُرِ الآيَتَينِ أنَّ المَكفيَّ بِه لَيسَ العَدَدَ بَل جِهةَ الإمداد، وهو ما قَرَّرَته القِسمِ الأوَّل من أنَّ الجَذرَ لا يَعُدّ.
- مَعَ
sam3وhidayaفي ٢:١٣٧: الآيةُ تَقسِمُ النّاسَ قِسمَينِ،
مُهتَدٍ ومُنشَقّ، ثُمَّ لا تُوَجِّهُ الكِفايةَ إلّا إلى القِسمِ الثّاني. فالكِفايةُ لا تُطلَبُ حيثُ وَقَعَ الاهتِداءُ لِأنَّه لا فاصِلَ هُناكَ يُقام. وsam3 يَقرَأُ خِتامَ الآيةِ، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما قَبلَه: مَن يَسمَعُ ويَعلَمُ لا يَحتاجُ إلى أن يُنقَلَ إليه الخَبَر، فيَتِمُّ الفَصلُ بِلا وَساطة.
الإشكالات المَفتوحة
- الماضي دَخَلَ، والسُّؤالُ أُغلِق. كانَ يُسأَلُ هُنا: أيَطَّرِدُ
أنَّ الجَذرَ لا يُخبَرُ عن وُقوعِه ماضِياً؟ وقد أجابَ المُصحَفُ بِأربَعةِ مَواضِعَ في الإسراء، كُلُّها ماضٍ بِباءٍ زائِدةٍ في الفاعِلِ كما تَوَقَّعَ هذا القِسمُ بِنَفسِه، فأُعيدَ النَّظَرُ في القِسمِ الثّاني كُلِّه وقُسِمَ قِسمَين. مُغلَق. وحَلَّ مَحَلَّه سُؤالٌ لم يَكُن يُمكِنُ أن يُطرَح: لِمَ لا يَتَعَدّى الماضي البَتّةَ ولا يَنفَكُّ المُضارِعُ عن مَفعول؟ أهي قِسمةُ زَمَنٍ أم قِسمةُ تَركيب؟ ولا مَوضِعَ في المَنشورِ يَجمَعُ ماضِياً ومَفعولاً بِه فيَفصِل. مَفتوح.
- سُقوطُ المَفعولِ الثّاني في ٣:١٢٤: أهو حَذفٌ لِأنَّ المَقامَ
يَدُلُّ عليه، أم أنَّ الفِعلَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ في أصلِه ويُزادُ الثّاني عِندَ الحاجة؟ والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَبقى الجَذرُ جَذرَ دَفعٍ في المَوضِعَين، وعلى الثّاني يَكونُ الدَّفعُ مُستَفاداً من التَّعدِيَةِ لا من المادّة. وقد زادَ المَنشورُ أربَعةَ مَواضِعَ لم تَفصِل: لا مَفعولَ فيها أصلاً لا أوَّلَ ولا ثانِياً، فهي شاهِدٌ على أنَّ الفِعلَ يَستَغني عن المَفعولَينِ مَعاً، لا على أنَّه يَكتَفي بِواحِد. مَفتوح.
- دَعوى أنَّ العَبدَ لا يَكونُ فاعِلاً لِهذا الفِعل: سَقَطَت.
في ١٧:١٤ نَفسُ المُخاطَبِ فاعِلٌ مَحَلّاً تَحتَ الباءِ الزّائِدة، ولا مَخرَجَ في الإعراب. والذي قامَ مَقامَها دَعوى أضيَقُ منها: أنَّ الصّيغةَ لا تَجري على لِسانِ العَبدِ عن نَفسِه. وهذه قائِمةٌ في سِتّةٍ من سِتّة، ويُقَوّيها أنَّ المُقابِلَ لَها مَوجودٌ بِلَفظٍ من جَذرٍ آخَر («حَسْبُنَا» في ٣:١٧٣)، وأنَّها نَجَت من ١٧:٩٦ حَيثُ جَرى اللَّفظُ على لِسانِ مَأمورٍ بِالقَولِ والفاعِلُ غَيرُه. والذي يُضعِفُها أنَّها دَعوى في المُتَكَلِّمِ لا في التَّركيب، فلا يَحرُسُها إعراب. يُترَكُ مَفتوحاً ويُعلَنُ التَّرجيح.
- «كَ» المُفرَدُ في ٢:١٣٧ بَينَ خِطابَينِ لِجَماعة: أهو مُخاطَبٌ
بِعَينِه أم كُلُّ مَن قامَ مَقامَه؟ والآيةُ لا تُسَمّي، والمَنهَجُ يَمنَعُ إدخالَ ما لَيسَ في النَّصّ. والفَرقُ أنَّ الأوَّلَ يَجعَلُ الكِفايةَ واقِعةً في زَمَن، والثّانِيَ يَجعَلُها قانوناً يَجري. مَفتوح.