البقرة · الآية 137

﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ: المِعيارُ مَوقِفٌ لا تَسميَة

الآيةُ تَرسُمُ شَرطَ الاهتِداء: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا. فالمِعيارُ فيها المُطابَقةُ في الشَّكلِ الدّاخِلِيِّ لِلإيمان، أي إيمانٌ جامِعٌ بِالمَصدَرِ الواحِدِ وبِكُلِّ ما نَزَلَ وأوتِيَ (كَما في الآيةِ السّابِقة)، دونَ تَفريقٍ بَينَ أنبِيائِه، وليسَ الانضِمامَ إلى اسمٍ مُقابِلٍ («كونوا مُسلِمين») ولا إلى طائِفة. وبِمِثْلِ دَقيقة: أوثِرَ «بِمِثلِ ما آمَنتُم» على «بِما آمَنتُم» وَحدَها، أي بِالبِنيةِ نَفسِها، والشُّمولِ نَفسِه، ورَفضِ القِسمةِ نَفسِه. ومَن حَصَلَ عِندَه هذا الشَّكلُ الإيمانِيُّ فقد وَصَل، ولا يَحتاجُ بَعدَه إلى تَسمِيةٍ جَديدة.

(ه د ي): فَقَدِ اهْتَدَوا وُصولٌ إلى البِنيَةِ الجامِعَة

والجَذرُ (ه د ي) نَواتُه (ه د)، وهي تَفريغٌ من الحَواجِز، ثُمَّ (ي)، وهي تَواصُلٌ يَمتَدّ، فالاهتِداءُ في أصلِه تَفريغُ ما يَحجُبُ ثُمَّ اتِّصالٌ يَجري. وصيغةُ الافتِعالِ «اهتَدَوا» تَدُلُّ على فِعلِ الاهتِداءِ الذي يَقومُ بِه العَبدُ نَفسُه لَمّا يُزيلُ حَواجِزَه ويَسير. وتَأكيدُ «قَد» قَبلَ الفِعلِ يُفيدُ التَّحَقُّق: إن حَدَثَ في داخِلِهِم هذا التَّفريغُ لِلحَواجِزِ المَذهَبِيّةِ ثُمَّ الاتِّصالُ بِالسِّلسِلةِ كُلِّها فقد تَمَّ اهتِداؤُهُم فِعلاً، ولم يُدعَوا إلى أن يُغَيِّروا اسمَهُم. والاهتِداءُ إذَن حالُ داخِل، وليسَ عُضوِيّةَ طائِفة.

(و ل ي): تَوَلَّوْا استِدارَةُ الوَلاءِ عَن المَوقِفِ الشامِل

والجَذرُ (و ل ي) نَواتُه (و ل)، وهي تَعَلُّقٌ يَتَّصِل، ثُمَّ (ي)، وهي تَواصُلٌ يَمتَدّ، فالوَلاءُ في أصلِه تَعَلُّقٌ مُمتَدٌّ من جِهةٍ إلى جِهة. وصيغةُ التَّفَعُّلِ «تَوَلّى» تَدُلُّ على الاستِدارةِ بِالوَلاء، يُدَوِّرُ فيها المَرءُ تَعَلُّقَه من جِهةٍ إلى غَيرِها. ولِذلك كانَ وَّإِن تَوَلَّوْا دَوَراناً بِالوَلاءِ إلى غَيرِها، وتَثبيتاً لِلانتِماءِ الطّائِفِيِّ على حِسابِ المَوقِفِ الشّامِل، ولا يَقِفُ عِندَ رَفضِ الدَّعوة. وهذا الدَّورانُ هو ما يُؤَدّي إلى النَّتيجةِ التّالِية، وهي شِقاقٌ بِنيَوِيّ، وما هو بِخِلافٍ في الرَّأيِ وَحدَه.

(ش ق ق): الشِّقاقُ انشِطارٌ يَنفُذُ في العُمق

والجَذرُ (ش ق ق) نَواتُه (ش ق)، وهي انتِشارٌ بِقُوّةٍ في عُمق، ثُمَّ تَكرارُ (ق) يُضاعِفُ القُوّةَ والعُمق، فالشِّقاقُ في أصلِه انقِسامٌ نافِذٌ يَمتَدُّ في البِنية، وما هو بِاختِلافٍ سَطحِيٍّ وَحدَه. وفي قَولِه فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ تَقتَضي أداةُ الحَصرِ «إنَّما» أنّ وَصفَهُم يَنحَصِرُ في هذا الانشِطار، أي ليسَ لَهُم مَوقِفٌ آخَرُ غَيرُ الانشِقاقِ عن الكُلِّ الجامِع. وحَرفُ الجَرِّ «فِي» يَجعَلُهُم داخِلَ الشِّقاق، ولا يَقِفُ بِهِم عِندَ كَونِهِم فاعِلينَ لَه، وقد صاروا داخِلَه مَحصورينَ في جُزءٍ تَشَظّى عن أصلِه. ولِذلك لا يَنفَعُ مَعَهُم جِدالُ التَّفاصيلِ ما دامَتِ البِنيةُ مُنشَقّة.

(ك ف ي) + السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: الكَفايَةُ إمساكٌ فاصِل، والخِتامُ إحاطَة

والجَذرُ (ك ف ي) نَواتُه (ك ف)، وهي إمساكٌ يَفصِل، ثُمَّ (ي)، وهي تَواصُلٌ يَمتَدّ، فالكِفايةُ في أصلِها إمساكٌ فاصِلٌ بَينَك وبَينَ ما يَضُرّ، مَعَ اتِّصالٍ بَينَ المُكفّي وأمرِه. وفي قَولِه فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تُفيدُ السّينُ المُستَقبَلَ القَريب، والمَعنى أنّ اللهَ يَتَكَفَّلُ بِأن يُمسِكَ شَرَّهُم عَنك من غَيرِ أن يَحتاجَ مِنك إلى مُقاتَلةٍ فِكرِيّة. والضَّميرانِ «كَ» (المُخاطَب) و«هُم» (المُتَوَلّي) مُتَلاصِقانِ لأنّ الكِفايةَ فَصلُ ما بَينَهُما. ثُمَّ خَتَمَ بِاسمَي السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، و(س م ع) نَواتُه (س م)، وهي سُيولةٌ تَندَفِع، أي مُرورُ الصَّوتِ في القَناة، و(ع ل م) نَواتُه (ع ل)، وهي استِعلاءٌ يَتَّصِل، أي إحاطةُ المَعنى بِالفَوق. فهو سَميعٌ لِقَولِهِم في الشِّقاق، عَليمٌ بِبِنيةِ التَّوَلّي، فلا يَحتاجُ المُخاطَبُ إلى الشَّرحِ ولا إلى الاستِنفار، والكِفايةُ تَأتي من مَصدَرٍ يَسمَعُ ويَعلَمُ قَبلَ أن يُطلَبَ مِنه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الاهتِداءُ» في الآيةِ مَوقِفٌ بِنيَوِيٌّ سابِقٌ لِكُلِّ تَسمِية، و«الشِّقاقُ» وَصفٌ بِنيَوِيٌّ لِمَن دارَ بِوَلائِه عن الكُلِّ فصارَ داخِلَ الانشِطار، والفَصلُ بَينَ المُهتَدي والشّاقِّ يَكونُ بِشَكلِ الإيمانِ وَحدَه دونَ اسمِه.


حَصيلة

تَبني الآيةُ مِعيارَ الاهتِداءِ على البِنيةِ دونَ الاسم، و«بِمِثلِ ما آمَنتُم» تَطلُبُ الشَّكلَ الدّاخِلِيَّ لِلإيمانِ لا انضِماماً إلى عَلَم. وجِذرُ (ه-د-ي) في «اهتَدَوا» يَكشِفُ أنّ الاهتِداءَ تَفريغٌ لِلحَواجِزِ يُتيحُ الاتِّصال، وصيغةُ الافتِعالِ تُشيرُ إلى أنّه فِعلٌ يَقومُ بِه العَبدُ بِنَفسِه: مَن فَرَّغَ حَواجِزَه المَذهَبِيّةَ وقَبِلَ السِّلسِلةَ كُلَّها فقد اهتَدى فِعلاً. وأمّا مَن دارَ بِوَلائِه، من جِذرِ (و-ل-ي)، عن الكُلِّ فيَصِفُه جِذرُ (ش-ق-ق) بِالشِّقاق، وهو انقِسامٌ نافِذٌ في البِنية، غَيرُ اختِلافٍ سَطحِيّ، وحَرفُ «في» يَضَعُه داخِلَ الشَّقّ، ولا يَجعَلُه فاعِلاً لَه وَحَسب. ثُمَّ تَجيءُ الكِفايةُ من جِذرِ (ك-ف-ي)، وهي إمساكٌ فاصِلٌ بَينَ المُخاطَبِ وأذى الشِّقاق، يَتَكَفَّلُ اللهُ بِه دونَ حاجةٍ إلى الاستِنفار. وخَتمُ الآيةِ بِالسَّميعِ العَليمِ يَكشِفُ أنّ المَصدَرَ يَسمَعُ الشِّقاقَ ويَعلَمُ بِنيةَ التَّوَلّي قَبلَ أيِّ طَلَب.