الإسراء · الآية 14

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا

«اقْرَأْ كِتَابَكَ»: الأمرُ نازِلٌ على صاحِبِ الكِتاب

فِعلُ أمرٍ مُفرَد، ومَفعولُه مُضافٌ إلى المُخاطَبِ نَفسِه، وقد عُدِلَ عن «يُقرَأُ كِتابُه» وعن «اقرَأْ عَلَيه كِتابَه»، ولم يُنصَبْ بَينَه وبَينَ صَحيفَتِه قارِئٌ ثالِث، فالأمرُ لَه، والكِتابُ لَه، والقِراءةُ عَلَيه أن يُباشِرَها.

و«اقرَأ» و«كِتابَك» كِلاهُما مِمّا كُتِبَ لَه مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، فلا يُعادُ هُنا تَفكيكُهُما. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيهِما شَيءٌ واحِد، وهو أنَّهُما التَقَيا في شَخصٍ واحِد، فالمَأمورُ بِالجَمعِ هو المَجموعُ عَلَيه.

«كَفَىٰ بِنَفْسِكَ»: الفاعِلُ نَفسُ المُخاطَبِ، مَجرورةً بِباءٍ زائِدة

والفِعلُ «كَفَىٰ» ماضٍ، والذي كَفى مَذكورٌ بَعدَه: «بِنَفْسِكَ». والباءُ هُنا زائِدةٌ لا تُعَلِّقُ الاسمَ بِشَيء، فـ«نَفسِ» مَجرورةٌ في اللَّفظِ مَرفوعةٌ في المَحَلّ، وهي فاعِلُ «كَفى». ولَيسَ في الآيةِ اسمٌ آخَرُ يَصلُحُ فاعِلاً، فـ«حَسِيبًا» مَنصوبٌ فلا يُرفَع، و«اليَومَ» ظَرف، و«عَلَيك» جارٌّ ومَجرور، فالذي يَكفي هو النَّفسُ المُضافةُ إلى المُخاطَب.

وهذا مَوضِعٌ يُقالُ فيه ما فيه، فالكِفايةُ في هذه الآيةِ قامَت مِمّا هو مُضافٌ إلى المُخاطَب، ولم تَنزِلْ إلَيه من خارِجِه. وأمّا كَيفَ قامَت فإنَّ النَّفسَ جاءَت تَحتَ باء، ولم تُرفَعْ مُجَرَّدةً كما يُرفَعُ سائِرُ الفاعِلين، وجاءَت بِلَفظِ «النَّفس» دونَ ضَميرِ المُخاطَبِ وَحدَه، ولو قيلَ «كَفَيتَ عَلَيك» لَاستَحالَ المَعنى. فالآيةُ تَشُقُّ المُخاطَبَ شَقَّينِ لِتُقيمَ أحَدَهُما على الآخَر.

«الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا»: واحِدٌ في مَوضِعَين

وأوثِرَ «عَلَيك» على «لَك»، والحَرفُ يُعَيِّنُ الجِهة، فهو القائِمُ فَوقَ، دونَ القائِمِ مَعَ. والمُخاطَبُ قد تَكَرَّرَ في هذه الآيةِ القَصيرة: كافُ «كِتابَك»، وكافُ «نَفسِك»، وكافُ «عَلَيك»، فهي ثَلاثُ إضافاتٍ إلى واحِد، وُزِّعَت على ثَلاثةِ مَواقِع: مالِكِ الكِتاب، والذي يَكفي، والذي يُكفى عَلَيه.

و«حَسِيبًا» مَنصوبٌ يُبَيِّنُ الجِهةَ التي كَفَت بِها النَّفس، وهو من ح-س-ب، جِذرِ العَدِّ والتَّقديرِ الذي لَه مَفهومُه المُستَقِلّ، ولا يُعادُ هُنا شَرحُه. والذي يُقرَأُ في الآيةِ أنَّ الجِذرَينِ لم يَختَلِطا، فالذي يَكفي جِذرُ حاجِزٍ يُبعِدُ ويَمتَدّ، والذي يُحسَبُ بِه جِذرُ إحصاءٍ يَضبِطُ ويُقَدِّر. فما وُضِعَ على المُخاطَبِ عَدَدٌ يُحصي، وليسَ خَصماً يُخاصِم، والعَدَدُ لا يُجادَل.


حَصيلة

أمرٌ يَنزِلُ على صاحِبِ الكِتابِ دونَ غَيرِه، فيَجتَمِعُ الفِعلُ ومَحَلُّه في واحِد. ثُمَّ خَبَرٌ ماضٍ يُقَرِّرُ كِفايةً قد وَقَعَت، وفاعِلُها «نَفسُك» مَجرورةً بِباءٍ زائِدةٍ في مَوضِعِ رَفع، ولا يَنوبُ عَنها في الآيةِ اسمٌ آخَر. ثُمَّ «عَلَيْكَ»، فالمُخاطَبُ يَعودُ ثالِثةً، وهو في هذه المَرّةِ تَحتَ ما قامَ مِنه. وخُتِمَت بِـ«حَسِيبًا» من جِذرِ العَدّ، فما أُقيمَ فَوقَه إحصاءٌ غَيرُ خُصومة. والكِفايةُ هُنا مُقامةٌ مِمّا في المُخاطَبِ فَوقَه، ولم تَنزِلْ إلَيه من فَوق، وفي يَدِه صَحيفةٌ يَقرَؤُها بِنَفسِه.