الإسراء · الآية 65

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا

«إِنَّ عِبَادِي»: تُقالُ الإضافةُ قَبلَ أن يُقالَ الحُكم

في الآيةِ قَبلَها طُلِبَ اشتِراكٌ «فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ»، وأوَّلُ ما يُذكَرُ ها هُنا الياءُ في آخِرِ الكَلِمة، لا مالٌ ولا وَلَد.

ولم تَبدَأِ الآيةُ بِالنَّفي، وبَدَأَت بِمَن يَقَعُ عَلَيهِمُ النَّفي، ونَسَبَتهُم قَبلَ أن تَقولَ فيهِم شَيئاً، فالحِمايةُ مَقولةٌ في حَرفِ إضافةٍ واحِدٍ قَبلَ أن يُنطَقَ بِـ«لَيْسَ».

وهذه الإضافةُ نَفسُها جَرَت في السّورةِ قَبلَ اثنَتَي عَشرةَ آية: وَقُل لِّعِبَادِي﴾، فهُناكَ حُمِلَ إلَيهِم قَولٌ يُقال، وهُنا يُقالُ عَنهُم ما لا يُنالُ مِنهُم. والعُبودِيّةُ مَفهومٌ يُرجَعُ فيه إلى المُعجَم: فِعلٌ تَنقادُ بِه الإرادةُ طَوعاً لِوُجهةٍ واحِدة، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه أنَّ الوُجهةَ الواحِدةَ تُنطَقُ ياءً في آخِرِ اللَّفظ.

ومَن عُرِفَ لِمَن هو، عُرِفَ ما لا يَبلُغُه غَيرُه.

«لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ»: حَرفانِ لا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر

وقد جَمَعَ النَّفيُ الحَرفَين، ولم يَكتَفِ بِـ«لَيسَ لَكَ سُلطان» وَحدَها، ولا بِـ«لَيسَ عَلَيهِم سُلطان» وَحدَها.

واللّامُ لِلمِلك، فيُنفى أن يَكونَ لَه، و«على» لِلوُقوعِ من فَوق، فيُنفى أن يَنزِلَ بِهِم. والشَّيءُ قد يُملَكُ ولا يُستَعمَل، وقد يَنزِلُ بِمَن لا يَملِكُه صاحِبُه، فأُغلِقَ البابانِ جَميعاً في نَفيٍ واحِد.

و«سُلْطَانٌ» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، فيَذهَبُ الجِنسُ كُلُّه: لا سُلطانَ كَبيرٌ ولا صَغير، ولا هذا السُّلطانُ دونَ ذاك.

ثُمَّ المادّة: فأصلُ س-ل-ط نُفوذٌ يَتَخَلَّلُ ثُمَّ يُطبِقُ على مَوضِعِه فيَعُمُّه، ومِنه ما يَجري في الفَتيلِ حتّى يَأخُذَه كُلَّه. وهذه هي الصّورةُ التي ادَّعاها قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ حينَ حَلَفَ على قَبضٍ في الجَوف، والدَّعوى والنَّفيُ التَقَيا على هَيئةٍ واحِدة، فنُفِيَ عَنه ما وَصَفَ بِه نَفسَه.

وهذا اللَّفظُ بِعَينِه يُطلَبُ في هذه السّورةِ نَفسِها: وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾، فالكَلِمةُ الواحِدةُ تُنفى عن واحِدٍ وتُطلَبُ لِآخَر، والفَرقُ مَكتوبٌ في الحَرف: هُناكَ «مِن لَّدُنكَ»، فهو مَوهوب، وهُنا «لَكَ»، فهو مُدَّعىً مِلكاً، وما يُنتَزَعُ من مُدَّعيه يُسأَلُ عَطاءً.

«وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا»: الحامِلُ المُثبَتُ مَرّةً واحِدة

وتَبَدَّلَتِ الكافُ في الشَّطرِ الثّاني: فقد كانَت في «لَيْسَ لَكَ» كافَ المَنفِيِّ عَنه، وصارَت في «بِرَبِّكَ» كافَ مَن لَه رَبّ. ولا تَقطَعُ الآيةُ بِأنَّهُما واحِدٌ ولا بِأنَّهُما اثنان، فيُقرَأُ الوَجهانِ ولا يُرَجَّحُ أحَدُهُما بِما لَيسَ في اللَّفظ.

و«وَكِيلًا» يَتَرَدَّدُ في هذه السّورةِ خَمسَ مَرّات، أربَعٌ مِنها تَحتَ نَهيٍ أو نَفي، أوَّلُها أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾، ومِنها وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾، وهذه وَحدَها مُثبَتة. و«التَّوَكُّل» في المُعجَمِ يُقَرِّرُ أنَّ هذا الجَذرَ يُسَمّي حامِلَ الأمرِ الذي أُفضِيَ إلَيه، فالسّورةُ تَمنَعُ الحامِلَ وتَنفيه أربَعَ مَرّاتٍ وتُثبِتُه واحِدة، والواحِدةُ تَقَعُ في المَوضِعِ الذي نُفِيَ فيه السُّلطان، ورُفِعَت ثَمَّ يَدٌ ووُضِعَ في مَكانِها اسم.

و«كَفَىٰ» فِعلٌ فاعِلُه هُنا «رَبِّكَ»، مَرفوعٌ مَحَلّاً تَحتَ باءٍ لا تُغَيِّرُ مَعناه. و«الكِفاية» في المُعجَمِ يُقَرِّرُ أنَّ العَبدَ لا يَقولُ هذا الفِعلَ عن نَفسِه، وأنَّه إنَّما يُقالُ لَه. وقد وَضَعَت هذه السّورةُ تَحتَ الباءِ نَفسِها نَفسَ المُخاطَبِ في كَفَىٰ بِنَفْسِكَ﴾، وهُناكَ أيضاً قَولٌ يَنزِلُ إلَيه لا قَولٌ يَقولُه، فالمَوضِعانِ يَجريانِ على قاعِدةٍ واحِدة: الكِفايةُ تُخبَرُ بِها ولا يَدَّعيها صاحِبُها.

وقد جَرى صَدرُ هذه الجُملةِ بِعَينِه في هذه السّورةِ من قَبل: وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، والصَّدرُ واحِدٌ والمَنصوبُ بَعدَه يَتَبَدَّل: فهُناكَ خِبرةٌ وبَصَرٌ بِذُنوبِ العِباد، وهُنا حِفظٌ لَهُم، فالكِفايةُ الواحِدةُ تُقالُ عَلَيهِم مَرّةً ولَهُم مَرّة.

والفِعلُ ماضٍ لا مُستَقبَل، وقد عُدِلَ عن «سَيَكفيك» إلى «كَفَىٰ»، فالحُكمُ ثابِتٌ قَبلَ أن يَقَعَ ما يُخافُ مِنه.


حَصيلة

يُبدَأُ بِالنِّسبةِ لا بِالنَّفي: ياءٌ في آخِرِ اللَّفظِ تُبَيِّنُ لِمَن هُم قَبلَ أن يُقالَ فيهِم شَيء، وهي الإضافةُ نَفسُها التي حُمِلَ إلَيهِم بِها قَولٌ في هذه السّورةِ من قَبل. ثُمَّ يُنفى بِحَرفَينِ لا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر: لامُ مِلكٍ و«على» نُزول، فلا هو يَملِكُه ولا هو يَنزِلُ بِهِم. و«سُلْطَانٌ» نَكِرةٌ في نَفيٍ فيَذهَبُ الجِنسُ كُلُّه، ومادَّتُه نُفوذٌ يَتَخَلَّلُ ثُمَّ يُطبِق، وهي عَينُ الصّورةِ التي حَلَفَ عَلَيها قَبلَ ثَلاثِ آيات، فنُفِيَ عَنه ما وَصَفَ بِه نَفسَه. واللَّفظُ نَفسُه يُطلَبُ في هذه السّورةِ عَطاءً «مِن لَّدُنكَ»، فيُقرَأُ الفَرقُ في الحَرفِ لا في الكَلِمة. ثُمَّ تَتَبَدَّلُ الكافُ من مَنفِيٍّ عَنه إلى مَن لَه رَبّ، والآيةُ لا تُعَيِّن. و«وَكِيلًا» واحِدٌ من خَمسةٍ في السّورة، أربَعةٌ مِنها تَحتَ نَهيٍ أو نَفي، وهذا هو المُثبَتُ وَحدَه. و«كَفَىٰ» ماضٍ فاعِلُه الرَّبُّ تَحتَ باءٍ لا تُزيلُ رَفعَه، وهو ما يُقَرِّرُه المُعجَمُ في هذا الجَذر: يُقالُ لِلعَبدِ ولا يَقولُه. فالآيةُ تَنزِعُ قَبضةً وتَضَعُ في مَوضِعِها حِفظاً، ولا يوصَفُ الحِفظُ بِأكثَرَ من أنَّه كافٍ.