الإسراء · الآية 96

﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

«كَفَىٰ بِاللَّهِ»: فِعلٌ لا يَكونُ فاعِلُه بَشَراً

الكِفايةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، ولا تُفَكَّكُ حُروفُها هُنا ثانيةً، والذي يُقَيَّدُ في هذا المَوضِعِ أمرٌ واحِد: مَن رُفِعَ فاعِلاً لِهذا الفِعل.

والمُعجَمُ يُرَجِّحُ أنَّ هذا الجَذرَ لا يَقَعُ الإنسانُ فاعِلاً لَه، وأنَّ العَبدَ فيه مَفعولٌ يُدفَعُ عنه لا فاعِلٌ يَدفَع. والفاعِلُ هُنا هو اللهُ صَريحاً، كما في وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ وغَيرِه في هذه السّورةِ نَفسِها، فهذه المَواضِعُ شاهِدةٌ لِلتَّرجيح، غَيرُ ناقِضةٍ لَه.

ولِلسّورةِ مَوضِعٌ آخَرُ يَنقُضُه، وهو كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، والفاعِلُ هُناكَ نَفسُ المُخاطَبِ مَرفوعةً مَحَلّاً، ولا يَنوبُ عنها في الآيةِ اسمٌ آخَر. فسورةٌ واحِدةٌ تُعطي الشّاهِدَ والنّاقِض، ويُقالانِ مَعاً ولا يُطوى أحَدُهُما.

والباءُ في «بِاللَّهِ» زائِدة، والاسمُ بَعدَها في مَوضِعِ الرَّفع، فالفاعِلُ فاعِلٌ ولم يُرفَعْ مُجَرَّداً. وهي صيغةٌ تُدخِلُ على الفاعِلِ حَرفاً لا يَقتَضيه الإعراب، فيُقرَأُ الاسمُ مَرَّتَين، مَرّةً بِمَوقِعِه ومَرّةً بِما دَخَلَ عَلَيه.

«شَهِيدًا»: حُضورٌ يَثبُتُ لا خَبَرٌ يُنقَل

و«شَهِيدًا» مَنصوبٌ يُبَيِّنُ الجِهةَ التي وَقَعَتِ الكِفايةُ فيها، فقد حُدَّتِ الكِفايةُ بِجِهةٍ واحِدةٍ مُسَمّاة، ولم يَقِفِ الكَلامُ عِندَ «كَفى بِاللهِ».

ومَدارُ ش-ه-د على جَريانٍ نافِذٍ يُفرِغُ ما في الجَوفِ إلى خارِجٍ ثُمَّ يُثَبِّتُه، فالشَّهادةُ في حُروفِها إخراجُ ما عُويِنَ حتّى يَستَقِرَّ ظاهِراً، لا نَقلُ حِكايةٍ عن غائِب، والشّاهِدُ حاضِرٌ أوَّلاً، ثُمَّ مُخرِجٌ لِما حَضَرَه ثانياً.

و«شَهِيدًا» على وَزنِ فَعيل، وهو وَصفٌ يَثبُتُ لِصاحِبِه لا حَدَثٌ يَعرِضُ ثُمَّ يَنقَضي، فالمَوصوفُ بِه شاهِدٌ قَبلَ أن يُدعى إلى الشَّهادةِ وبَعدَها.

«بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»: الظَّرفُ يُكَرَّرُ فيُقسَمُ الطَّرَفان

وكانَ يَكفي «بَينَنا»، فعُدِلَ عنه إلى «بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»، وأُعيدَ الظَّرفُ وأُضيفَ مَرَّتَين، مَرّةً إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ ومَرّةً إلى كافِ المُخاطَبينَ ومِيمِهِم، فلَم يُجمَعِ الطَّرَفانِ في ضَميرٍ واحِد.

وأصلُ ب-ي-ن انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فالبَينُ فُرجةٌ يَظهَرُ بِها كُلُّ طَرَفٍ على حِدَتِه، ولَولا المَسافةُ لَما تَمَيَّزَ أحَدُهُما عن صاحِبِه. ومنه «بانَ» ظَهَرَ وانفَصَل، و«البَيان» ما فُصِّلَ حتّى وَضَح.

ثُمَّ جاءَ الفَردُ في الطَّرَفِ الأوَّلِ والجَماعةُ في الثّاني، فهو واحِدٌ بِإزاءِ جَمع، ولا يُذكَرُ عَدَدٌ ولا يُوصَفُ خِلاف. ووُضِعَ الشّاهِدُ في الفُرجةِ نَفسِها، ولم يوضَعْ في جانِبِ أحَدِهِما، ومَن أقامَ شاهِدَه في المَسافةِ لم يَعُدْ في المَسافةِ ما يُنازَعُ عَلَيه.

«إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا»: خِتامٌ يَعودُ بِلَفظِه

وهذا الخِتامُ وَرَدَ في هذه السّورةِ قَبلَ الآنَ حَرفاً بِحَرف: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، وقد قُرِئَ هُناكَ وما فيه من تَرتيب، وهو أنَّ «خَبِيرًا» تَسبِقُ «بَصِيرًا» فيُقَدَّمُ الباطِنُ على الظّاهِر، فلا يُعادُ تَفصيلُه هُنا.

والذي يَجِدُّ في هذا المَوضِعِ مَوقِعُه، فقد خَتَمَ هُناكَ بَسطاً وتَقديراً يَقَعانِ على النّاسِ في أرزاقِهِم، ويَختِمُ هُنا شَهادةً أُقيمَت بَينَ طَرَفَينِ مُتَنازِعَين، فما كانَ خِتاماً لِقِسمةِ العَطاءِ صارَ خِتاماً لِفَصلِ الخُصومة.

و«بِعِبَادِهِ» يَجمَعُ الطَّرَفَينِ اللَّذَينِ فُرِّقا قَبلَه في الآيةِ نَفسِها، فالياءُ والكافُ كِلتاهُما داخِلةٌ في هذه الإضافة، والشّاهِدُ الذي أُقيمَ في الفُرجةِ هو المُلاصِقُ لِمَن على جانِبَيها، والباءُ في «بِعِبَادِهِ» مُلابَسةٌ لا إخبارٌ من بَعيد.


حَصيلة

فِعلٌ يُرَجَّحُ أن لا يَرتَفِعَ الإنسانُ فاعِلاً لَه، وقد ارتَفَعَ فاعِلُه هُنا مُسَمّىً صَريحاً، كما ارتَفَعَ في هذه السّورةِ قَبلَها مَرَّتَين، وفيها مَوضِعٌ آخَرُ ارتَفَعَت فيه نَفسُ المُخاطَبِ فتَنقُضُ التَّرجيح. والباءُ تَدخُلُ على الفاعِلِ فلا يُرفَعُ مُجَرَّداً. ثُمَّ تُحَدُّ الكِفايةُ بِجِهةٍ واحِدةٍ هي الشَّهادة، وهي في حُروفِها إخراجُ ما عُويِنَ حتّى يَثبُتَ ظاهِراً، وعلى وَزنٍ يَجعَلُها صِفةً قائِمةً لا حَدَثاً يَعرِض. ثُمَّ يُعادُ الظَّرفُ مَرَّتَينِ ولا يُجمَعُ الطَّرَفانِ في ضَمير، فواحِدٌ في جِهةٍ وجَماعةٌ في الأُخرى، والفُرجةُ بَينَهُما هي التي يُميِّزُ كُلٌّ فيها نَفسَه من صاحِبِه، وفيها وَحدَها أُقيمَ الشّاهِد. ثُمَّ يَعودُ خِتامٌ من هذه السّورةِ بِلَفظِه، يُقَدِّمُ النَّفاذَ إلى الباطِنِ على النَّظَرِ إلى الظّاهِر، ويَضُمُّ في «عِبادِه» الطَّرَفَينِ مَعاً، فهي خُصومةٌ لَها جانِبان، وشاهِدٌ لَيسَ في جانِبٍ منهُما، وعِلمٌ لاصِقٌ بِالجانِبَينِ كِلَيهِما.