آل عمران · الآية 195

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ

«فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ»: الدُّعاءُ يَعودُ جَواباً من رَبِّهم

تأتي الفاءُ بالتعقيبِ على الدعواتِ السابقة، ويُسنَدُ الماضيُ «استجاب» إلى «ربهم»، واللامُ تَجعلُ الجوابَ لهم. الجوابُ من ج-و-ب اجتماعٌ يَنعقدُ في احتواءٍ ثمّ يَتَّصلُ بالخارج، وصيغةُ الاستفعالِ تَحملُ تحقّقَ الاستجابةِ المطلوبة. الإضافةُ في «ربهم» تُعيدُ علاقةَ النداءِ التي كرّروها، لكنّ الصوتَ ينتقلُ الآن إلى مضمونِ الجوابِ بـ«أنّي».

«لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ»: كُلُّ عامِلٍ مَحفوظٌ ذَكَراً أو أُنثى

تَنفي «لا» المضارعَ المنسوبَ إلى المتكلّم: لا أضيع. الضياعُ من ض-ي-ع ضغطٌ تَمدُّه الياءُ ثمّ يَظهرُ من العمقِ منفلتاً، وصيغةُ الإفعالِ تَنفي إحداثَه في العمل. «عمل» مضافٌ إلى «عامل» نكرة، ومجيءُ «عامل» اسمَ فاعلٍ نكرةً يَجعلُ الوَصفَ لاحقاً بكلِّ مَن وقعَ منه العمل، فيَدخلُ صاحبُه في الحُكمِ بعملِه وحدَه. «منكم» تَربطُ العاملينَ بالمخاطَبين، ثمّ تُبيّنُ «من ذكر أو أنثى» استيعابَ الجنسَين بالعطفِ بـ«أو».

«بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ»: الجنسَانِ يَبقَيانِ «بَعضُكم من بَعض»

تأتي جملةٌ اسميّةٌ موجزة: بعضُكم من بعض. المبتدأُ مضافٌ إلى ضميرِ الجمع، والخبرُ «من بعض»، فيَجعلُ أجزاءَ المخاطَبينَ ذاتَ صلةٍ متبادلةٍ لا جماعتَين منقطعتَين. وصيغةُ البعضيّةِ المتبادلةِ تَجعلُ كلَّ طرفٍ صادراً عن الآخرِ في نسبةٍ واحدة، فتَقومُ الصلةُ على ما نطقَ به اللفظُ وحدَه. موقعُها بعدَ الذكرِ والأنثى وقبلَ تفصيلِ الأفعالِ يَمنعُ قراءةَ العملِ على ميزانَين منفصلَين.

«فَالَّذِينَ ... وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا»: الصلاتُ تَجمعُ أفعالاً وحالاتٍ في نَسَقٍ واحد

تَفتحُ الفاءُ موصولاً تَتتابعُ صلاتُه: فارقوا موضعَهم، وأُخرجوا من ديارِهم، وأُوذوا في سبيلِ المتكلّم، وقاتلوا، وقُتلوا. يَتبدّلُ البناءُ بينَ المعلومِ والمجهول، فيَبقى الفاعلُ ظاهراً حيثُ أظهرَه النصُّ ومحذوفاً حيثُ حذفه. الخروجُ من خ-ر-ج اختراقٌ يَجري ثمّ يَنبثقُ بارزاً، والإفعالُ يَجعلُهم مفعولينَ للإخراج. وتَعاقُبُ المَعلومِ والمجهولِ في هذه الصِّلاتِ يَجعلُ الفئةَ فاعلةً في بعضِها ومَفعولاً في بعضِها، فتُعرَفُ بما وَقعَ منها وبما وَقعَ عليها معاً. و«سبيلي» يَبقى متعلِّقاً بالأذى المذكورِ حيثُ جاء، فالإضافةُ إلى ضميرِ المتكلّمِ هي التي تُعيّنُ الطريق.

«لَأُكَفِّرَنَّ ... وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ... ثَوَابًا»: وعدانِ مؤكَّدانِ يَختمانِ بحسنِ الثواب

تَجمعُ اللامُ ونونُ التوكيدِ وعدَين: تكفيرَ سيئاتِهم عنهم، وإدخالَهم جناتٍ تَجري من تحتِها الأنهار. وبناءُ التكفيرِ على التفعيلِ يُغَطّي السيّئاتِ بقَدرِ تَعدُّدِها، والإفعالُ في الإدخالِ يَنقلُهم إلى الجنات. ووَصفُ الجناتِ في اللفظِ حركةُ ماءٍ تَجري في أساسِها، فالعطاءُ مَحلٌّ وحياةٌ تَسري تحتَه. «ثواباً من عند الله» يَنصبُ الجزاءَ ويُعيّنُ مصدرَه. الثوابُ من ث-و-ب تجمّعٌ كثيفٌ يَتَّصلُ ويَعودُ إلى صاحبِه. ويَختمُ الاسمُ الظاهرُ: واللهُ عنده حسنُ الثواب، فتُضافُ جهةُ الثوابِ إلى اللهِ ويُوصَفُ بالحُسنِ وحدَه.


حَصيلة

يأتي جوابُ الربِّ للداعينَ بنفيٍ شامل: لا يَضيعُ عملُ أيِّ عاملٍ منهم، ذكراً أو أنثى، وبعضُهم من بعض. ثمّ تُعرِّفُ الصلاتُ فئةً بأفعالِها وحالاتِها وحدها: مفارقةٌ، وإخراجٌ، وأذى، وقتالٌ، وقتل، فتَتتابعُ خمسُ صلاتٍ يَحمِلُ كلٌّ منها حدَّه. ويَقابلُ ذلك وعدانِ مؤكَّدان: تكفيرُ السيئاتِ والإدخالُ في جناتٍ تَجري الأنهارُ من تحتِها. يَجمعُ الختامُ الجزاءَ في «ثواباً من عند الله» ثمّ «عنده حسن الثواب». فالعملُ محفوظ، والفروقُ لا تُضيّعه، والجزاءُ منسوبٌ إلى مصدرِه المُصَرَّحِ به: ثوابٌ من عندِ الله، وعندَه حُسنُ الثواب.