البقرة · الآية 194

﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

«الشَّهرُ الحَرامُ بالشَّهرِ الحَرامِ»: (ش ه ر) و(ح ر م) والمُقابَلةُ بنفسِ الوَحدة

أفتَتِحُ بأنَّ «الشَّهر» من جذرِ (ش ه ر)، ونُواتُه «الظُّهورُ والبُروز»، ومنه «اشتَهَرَ الشيءُ» ظَهَرَ للعامّة، وسُمِّيَ الشَّهرُ شَهراً لأنَّ أوّلَه وآخرَه يُعرَفانِ بظُهورِ الهِلالِ المَشهور. وأمّا الحَرامُ من جذرِ (ح ر م)، ونُواتُه «المَنعُ المُحكَم»، كما فَصَّلتُ في آيةِ 191. فـ«الشَّهرُ الحَرام» شَهرٌ مَعلومٌ للناسِ ظاهرُ الحُدودِ مَمنوعٌ فيه القِتال. وقولُه «بالشَّهرِ الحَرامِ» قاعدةُ مُقابَلةٍ بالمِقدار: الشَّهرُ الذي بَدَأوا فيه قِتالَكم هو الشَّهرُ الذي تَرُدّونَ عليهم فيه، لا شَهرٌ آخَرُ تُضيفونَه من عِندِكم. فالمِقدارُ الزَّمنيُّ للرَّدِّ مُطابِقٌ للمِقدارِ الزَّمنيِّ للاعتِداء.

«والحُرُماتُ قِصاصٌ»: (ق ص ص) والقاعدةُ المَفتوحة

أُؤكِّدُ أنَّ «القِصاص» من جذرِ (ق ص ص)، ونُواتُه «القَطعُ التامُّ بمِقدار»، كما بَيَّنتُ في آيةِ 178. ومعنى أنَّ «الحُرُماتِ قِصاص» أنَّ كلَّ حُرمةٍ (شَهرٌ، مَكانٌ، شَخصٌ، مِلكيّة) لا تَعمَلُ كسِياجٍ أُحاديٍّ يَحمي البادئَ فَقَط، بل تَعمَلُ كقاعِدةِ مِرآة. فإن دَخَلَ الطَّرَفُ الآخَرُ الحُرمةَ يَنقُضُها، سَقَطَت عنه وحدَه، ولم تَسقُط عن غيرِها من الحُرمات. ومَن قَطَعَ طَرَفاً من جَسَدِ أخيه لا يَستَطيعُ أن يَحتَجَّ بحُرمةِ جَسَدِه، بل يُقَصُّ منه بمِثل. فالحُرمةُ في هذا الفَهمِ دَورٌ مُتَبادَلٌ يَتَمَتَّعُ به مَن يَحتَرِمُه، ولا يَنتَفِعُ به مَن يَنقُضُه.

«بمِثلِ ما اعتَدى»: (م ث ل) و(ع د و) وقَفلُ بابِ التَّكبير

أُلاحِظُ أنَّ الآيةَ اختارَت كلمةَ «اعتَدوا» نَفسَها في الفِعلِ المُقابِل، لا كلمةً أقوى ولا أضعف. وهذا تَعبيرٌ عن مَنطقِ المِرآة. ثمَّ قَيَّدَتها بـ«بمِثلِ ما اعتَدى عليكم». والمِثلُ من جذرِ (م ث ل)، ونُواتُه «المُطابَقةُ في الصُّورةِ والمِقدار»، ومنه «تَمَثَّلَ لها» تَشَكَّلَ في صورةٍ مُطابِقةٍ لها، و«المَثَل» لأنَّه تَشبيهٌ مُطابِقٌ بين حالَين. فالجملةُ تُحدِثُ قَفلاً مُحكَماً: لا تُضيفوا على الاعتِداءِ شيئاً، ولا تَغنَموا منه فَرصةً لإخراجِ ما في صُدوركم. وهذا التَّأكيدُ مَوضِعُه هنا بالذَّاتِ لأنَّ الإنسانَ حينَ يَشعُرُ بالمَظلوميّةِ يَميلُ إلى تَضخيمِ الرَّدّ، فجاءَت الآيةُ لتَقطَعَ هذا الميل.

«واتَّقوا اللهَ واعلَموا أنَّ اللهَ معَ المُتَّقين»: (و ق ي) في مَقامِ القِتال

أُبَيِّنُ أنَّ خِتامَ الآيةِ يَرُدُّ الأمرَ إلى التَّقوى، والتَّقوى كما فَصَّلتُ من جذرِ (و ق ي) ونُواتُها «وَضعُ حائلٍ قبلَ الضَّرر». فالتَّقوى في مَقامِ القِتالِ ليست ذِكراً لِسانياً ولا خُشوعاً قَلبياً مُنفَصِلاً، بل وَعيٌ بحَدِّ المِثلِ يَمنَعُ المُقاتِلَ من تَجاوُزِ القِصاص. ولذا قالَ بَعدَها «إنَّ اللهَ معَ المُتَّقين»، أي مَعيّتُه مَحجوزةٌ لِمَن يَقِفُ عندَ حَدِّه حتى في لحظةِ الانفِعال. فاليَدُ التي تَتَجاوَزُ المِثلَ في الرَّدِّ تَخرُجُ من دائرةِ المَعيّةِ إلى دائرةِ مَن كانوا قَبلُ خارِجَها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «الحُرمة» ليست سِياجاً أحاديّاً يَحمي البادئَ ويَكبِّلُ المَدفوع، بل دَورٌ مُتَبادَلٌ بالقِصاصِ: مَن احتَرَمها احتَرَمَتْه، ومَن نَقَضَها سَقَطَت عنه. والقِتالُ في الشَّهرِ المُحَرَّمِ إذا ابتُدئَ من الطَّرَفِ الآخَرِ يُرَدُّ عليه في نَفسِ الشَّهرِ بنَفسِ المِقدار، لا أكثَر. والتَّقوى في هذا السِّياقِ دَورٌ ضابِطٌ لليَد، لا حِلّيةٌ رُوحيّةٌ مُنفَصِلةٌ عن الفِعل. فمَعيّةُ اللهِ تَلتَصِقُ بمَن لا يَتَجاوَزُ المِثلَ حتى وهو يَدفَعُ عن نَفسِه.


حَصيلة

تَبني الآيةُ المَعادَلةَ الكُبرى لِلرَّدِّ الأَخلاقيّ: قاعدةُ المِرآةِ بجَذرِ (ق-ص-ص) القَطعِ التَّامِّ بالمِقدار. «الشَّهرُ الحَرامُ بالشَّهرِ الحَرام» ليسَت إذناً بالقِتالِ في الأشهُرِ الحُرُم بِلا قَيد، بل تَقولُ إنَّ الحُرمةَ المُنتَهَكةَ تَبقى في السِّياقِ الزَّمنيِّ للرَّدِّ؛ مَن نَقَضَها بدَأَ الدَّائرة. ثُمَّ «والحُرُماتُ قِصاص» تُوَسِّعُ القاعدةَ لِتَشمَلَ كُلَّ حُرمة: مَن انتَهَكَ حُرمةً سَقَطَت عنه وَحدَه لا عن غيرِها. وقَيدُ «بِمِثلِ ما اعتَدى عَلَيكُم» بجَذرِ (م-ث-ل) المُطابَقةِ في الصُّورةِ والمِقدار يُغلِقُ بابَ التَّضخيمِ في لَحظةِ الانفِعال: لا تُضيفوا على العُدوانِ شيئاً، ولا تَصنَعوا مِنه ذَريعةً لِمَا في الصُّدور. وتَختِمُ الآيةُ بـ«اتَّقوا اللَّهَ» في مَقامِ القِتالِ ذاتِه، لِأنَّ التَّقوى بجَذرِ (و-ق-ي) هُنا وَعيٌ ضابِطٌ لِليَدِ عِندَ حَدِّ المِثل، ومَعيّةُ اللَّهِ مَحجوزةٌ لِمَن يَقِفُ عِندَ هذا الحَدِّ حتّى وهو يَدفَعُ عن نَفسِه.