البقرة · الآية 244

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

الجذر (ق ت ل): المُواجَهةُ كَفِعلٍ قَصديٍّ لا كَعُنفٍ تِلقائيّ

وجَذرُ (ق ت ل) في العَرَبِيّةِ يَدُلُّ عَلى إزالةِ الحَياةِ عَن قَصدٍ لا عَن حادِثٍ، وصيغةُ «قاتِلوا» (مُفاعَلة) تَقتَضي مُشارَكةً مِن طَرَفَينِ، وهذا يُخرِجُ الآيةَ مِن بابِ الاعتِداءِ إلى بابِ المُواجَهةِ المُتَبادَلة. والأمرُ فيها يَستَجيبُ لِلقِتالِ ولا يَبتَدِئُه، حينَ يَكونُ الفِرارُ خُروجًا مِنَ الدِّيارِ حَذَرَ المَوت.

الجذر (س ب ل): السَّبيلُ طَريقٌ مَرسومٌ

و(س ب ل) يَدُلُّ عَلى الطَّريقِ الواضِحِ الذي يُسلَكُ مِن أوَّلِه إلى مُنتَهاه. و«سَبيل الله» هُنا قَيدٌ يَضبِطُ القِتالَ ضِمنَ مَقصَدٍ مُحَدَّدٍ، لا انتِقامٍ قَبَلِيٍّ ولا مَغنَمٍ، وليسَ شِعارًا. ومَن خَرَجَ عَنِ السَّبيلِ خَرَجَ عَنِ الأمرِ ولَم يَحتَمِ بِغِلافِه. وسَبيلُ الله يُعرَفُ بِما قَبلَه مِن آياتٍ (الدُّخولُ في السِّلمِ كافَّة، رَفعُ الفِتنةِ، إقامةُ الدِّين).

الجذر (ع ل م) و(س م ع): ثُنائيَّةُ الحُضورِ الإلهيِّ في المَيدان

واقتِرانُ «سَميع» بِـ «عَليم» في خاتِمةِ آيةِ قِتالٍ اقتِرانٌ مَقصود، والسَّمعُ يُغَطّي القَولَ في المَيدانِ (الشِّعاراتُ، الاعتِذاراتُ، التَّعليماتُ)، والعِلمُ يُغَطّي النِّيَّةَ تَحتَ القَولِ (الغَرَضُ الحَقيقيُّ). وهذا الازدِواجُ يَجعَلُ المَيدانَ ساحةً أخلاقِيّةً مَكشوفةً تَمامًا، لا يَنفُذُ فيها تَحايُلٌ لَفظِيٌّ ولا ازدِواجِيّةٌ قَلبِيّة.

البُنيةُ التَّركيبيَّة: «اعلَموا أنَّ» بَدَلَ «واللهُ سَميعٌ»

وعُدِلَ في الآيةِ عَن «واللهُ سَميعٌ عَليم» (جُملةُ إخبارٍ) إلى «واعلَموا أنَّ اللهَ سَميعٌ عَليم» (طَلَبُ مَعرِفة)، وهذا تَحويلٌ لِلصِّفةِ مِن خَبَرٍ عَن الذّاتِ الإلهِيّةِ إلى تَكليفٍ لِلمُقاتِل، أي أن يَدخُلَ المَعرَكةَ وهو مُستَحضِرٌ عِلمَ اللهِ وسَمعَه، والمَعرِفةُ هُنا سِلاحٌ داخِلِيٌّ لا تَزيينٌ كَلامِيٌّ.

مَوقِعُ الآيةِ بَينَ 243 و245

وهذه الآيةُ تَجسُرُ بَينَ قِصَّةِ الفارِّينَ (243) وآيةِ القَرضِ الحَسَنِ (245)، والتَّسَلسُلُ بَينَها بِنيَوِيٌّ دَقيق: لا تَفِرَّ مِنَ المَوت (243)، وقاتِلْ في السَّبيل (244)، ومَن لَم يَكُن في مَوقِعِ القِتالِ فَليَبذُل مالَه قَرضًا حَسَنًا (245). والثَّلاثيَّةُ مُتَرابِطَةٌ تُؤَسِّسُ لِقِصَّةِ طالوتَ وجالوتَ التي تُفَصِّلُ كَيفَ يَكونُ السَّبيلُ في الواقِع.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فَدَورُ المُواجَهةِ في «سَبيلِ الله» يَسبِقُ دَورَ الانتِماءِ إلى فِئةٍ قِتاليَّةٍ، ومَعرِفةُ السَّمعِ والعِلمِ الإلهيَّينِ شَرطٌ في مِيدانِ القِتالِ قَبلَ السِّلاح.


حَصيلة

بَعدَ أن قَرَّرَت آيةُ 243 أنَّ الفِرارَ لا يُنجي، جاءَت هذه الآيةُ بِالبَديلِ الإيجابِيّ: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. و«قاتِلوا» صيغةُ مُفاعَلةٍ مِن (ق-ت-ل)، أي مُواجَهةٌ مُتَبادَلةٌ بَينَ طَرَفَين، لا اعتِداءٌ ابتِداءً. والقَيدُ الحاسِمُ هو «في سَبيلِ الله»، وجَذرُ (س-ب-ل) طَريقٌ واضِحٌ يَنفُذُ إلى غايَتِه، فَمَن خَرَجَ عَنِ السَّبيلِ خَرَجَ عَنِ الأمرِ كُلِّه. ثُمَّ جاءَ طَلَبُ المَعرِفةِ: «اعلَموا أنَّ اللهَ سَميعٌ عَليم»، وأُوثِرَ فيه «اعلَموا أنَّ»، وهو تَكليفٌ بِالاستِحضار، عَلى الخَبَرِ المُجَرَّدِ «واللهُ سَميعٌ عَليم». و«سَميع» مِن (س-م-ع) يُغَطّي القَولَ في المَيدان: الشِّعاراتِ والأيمانَ والتَّعليمات، و«عَليم» مِن (ع-ل-م) يُغَطّي النِّيَّةَ تَحتَ القَول، وتَضافُرُهُما يُغلِقُ بابَ التَّحايُلِ اللَّفظِيِّ والازدِواجِيّةِ القَلبِيّة: لا يَنفَعُ كَلامٌ حَسَنٌ فَوقَ نِيَّةٍ فاسِدة. والآيةُ تَقَعُ جِسرًا بَينَ قِصَّةِ الفارِّينَ (243) وآيةِ القَرضِ الحَسَنِ (245): لا تَفِرَّ، وقاتِلْ في السَّبيل، ومَن لَم يَكُن في مَوقِعِ القِتالِ فَلِيَبذُل مالَه.