آل عمران · الآية 167

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

«وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا»: الغايةُ الثانيةُ تُعرِّفُ أصحابَها بالفعل

تَعطِفُ الواوُ لامَ غايةٍ على الآيةِ السابقة، فيَصيرُ ما وقعَ متعلّقاً أيضاً بالعلمِ بالذين نافقوا. صلةُ الموصولِ فعلٌ ماضٍ أسندَ إليهم النفاق. النفاقُ من ن-ف-ق احتواءٌ يَنفتحُ فيه شَقٌّ ضيّق ثمّ يَنعَقِدُ مَجرىً في العُمق، فيَحمِلُ انفصالَ وجهٍ ظاهرٍ عن داخلٍ ممسوك. فاللفظُ يُعرِّفُ أصحابَه بفعلِهم ويَجعلُ انكشافَهم غايةً ثانيةً للحدث.

«وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا»: القولُ المبنيُّ للمجهولِ يَعرضُ بديلَين

تأتي الواوُ بماضٍ مبنيٍّ للمجهول، فتُبرِزُهم متلقّي القولِ باللام. ثمّ تَتتابعُ أوامرُ الجمع: تعالوا، قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا. المقاتلةُ مفاعلةٌ تَحملُ مواجهةَ طرفين، والدفعُ من د-ف-ع ضغطٌ يَفتحُ شَقّاً ثمّ يَظهرُ أثرُه إلى الخارج. «أو» تَحفظُ الفعلينِ بديلينِ ملفوظين: دخولُ المواجهةِ في السبيلِ أو دفعُ ما يَتقدّم.

«قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ»: القَولُ لا يَتَجاوَزُ أَصحابَه

يُقابِلُ قولُهم القولَ الموجَّهَ إليهم: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم. «لو» تَفتحُ شرطاً ممتنعَ الربطِ في زعمِهم، ومفعولُ «نعلم» هو «قتالاً» نكرةً. جوابُهم يَجعلُ الاتّباعَ معلّقاً بهذا العلمِ الذي نفَوه، ثمّ تَعقُبُ الآيةُ عبارتَهم بقياسِ قربِهم وبكشفِ الفرقِ بينَ الفمِ والقلب؛ فالكلامُ نفسُه يَدخلُ امتحانَ ما بعدَه.

«هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ»: القربُ نسبيٌّ ومقيَّدٌ باليوم

يَفتَحُ الضميرُ حكماً اسميّاً، ويتعلّقُ «للكفر» و«للإيمان» باسمِ التفضيلِ «أقرب». القربُ من ق-ر-ب عقدٌ يَجري إلى استقرارٍ ثمّ يَتَّصلُ بجهتِه. المقارنةُ تَضعُهم بينَ جهتَينِ وتجعلُ قربَهم إلى الكفرِ أرجحَ من قربِهم إلى الإيمان. والظرفُ «يومئذ» يَحصرُ هذا القياسَ في اليومِ الذي جرى فيه القولُ والجواب.

«يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ»: الخاتمةُ تَكشفُ الفاصلَ والكَتم

المضارعُ يَصفُ قولاً متجدّداً ربطتْه الباءُ بأفواهِهم، والموصولُ مفعولُه. صلتُه تنفي وجودَ المقولِ في قلوبِهم، فتُقيمُ مقابلةً صريحةً بينَ الخارجِ والداخل. ثمّ تَستأنفُ الواوُ أنّ اللهَ «أعلم» بما يكتمون. الكتمُ من ك-ت-م إمساكٌ يَبلغُ تمامَ الانطباق ثمّ يَضمُّ الغطاءَ على المستور. اسمُ التفضيلِ يَجعلُ العلمَ الإلهيَّ أبلغ، والموصولُ يَجمعُ تحتَه ما أمسكوه في الداخل.


حَصيلة

تَصلُ الآيةُ الحدثَ بالعلمِ بالذين عرّفَهم فعلُ النفاق، ثمّ تَنقلُ إليهم أمراً: المقاتلةُ في سبيل الله أو الدفع. يَجعلونَ اتّباعَهم معلّقاً بعلمِ قتالٍ نفَوه، فتَضعُهم الآيةُ يومئذٍ بالقربِ النسبيّ من الكفرِ أكثرَ من الإيمان. ويَكشفُ قولاً في الأفواهِ لا يَسكنُ القلوب، ثمّ يَختمُ بعلمِ اللهِ الأبلغِ بما يكتمون؛ فالظاهرُ والباطنُ يَنفصلانِ أمامَ هذا العلم.