البقرة · الآية 190

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

(ق ت ل) وصيغةُ المُفاعَلة: فِعلٌ مُشتَرَكٌ بينَ طَرَفين

أفتَتِحُ بأنَّ الجذرَ (ق ت ل) نُواتُه «إخراجُ الرُّوحِ من الجَسَد» سواءٌ بالضَّربِ أو بالإذلالِ أو بالإفسادِ الكامل. ومنه «قاتَلَه اللهُ» أي أهلَكَه، و«المَقتَل» المَوضِعُ الذي إذا أُصيبَ ماتَ الإنسان. ولكنَّ الآيةَ لم تَختَر الصيغةَ الثلاثيّةَ «اقتُلوا» بل صيغةَ المُفاعَلة «قاتِلوا»، ومَعنى المُفاعَلةِ في لسانِ العربِ أنَّ الفِعلَ يَقَعُ بين طَرَفَينِ كلٌّ منهما يَفعَلُه في الآخَر. فـ«ضارَبَه» اشتَبَكَ معه ضَرباً مُتَبادَلاً، و«خاصَمَه» تَبادَلَ معه الخِصام. وإذاً فـ«قاتِلوا» ليس أمراً بابتداءِ قَتل، بل أمراً بالدُّخولِ في اشتِباكٍ قَتاليٍّ قائمٍ قد شَرَعَه الآخر. هذه نُكتةٌ صَرفيّةٌ تُغَيِّرُ دَورَ المؤمنِ من بادئٍ إلى رادّ.

«في سبيلِ الله»: (س ب ل) والطريقُ الواضحُ لا الشِّعار

أُؤكِّدُ أنَّ السَّبيلَ من جذرِ (س ب ل)، ونُواتُه «الطريقُ المُمتَدُّ السَّهلُ الذي يَعرِفُه الناس»، ومنه «ابنُ السَّبيل» المسافرُ على الطريقِ العامّ، و«سابِلة» للمارّةِ جَماعةً. فـ«سبيلُ الله» ليس هُتافاً يُرفَعُ على كلِّ قِتال، بل طريقٌ واضِحُ المَعالِم: دَفعُ ظُلمٍ، إنقاذُ مُستَضعَفٍ، حمايةُ طريقِ الحَقِّ من أن يُقطَع. وما خرَجَ عن هذا الوَصفِ لم يكن في «سبيلِ الله» وإن سَمّاه أهلُه كذلك. والجُملةُ كُلُّها تقولُ: قاتِلوا رَدّاً، لكن في طريقٍ مَعلومٍ للجميعِ لا في طريقٍ تَختَرِعُه عَصَبيّتُكم.

«الذين يُقاتِلونَكم»: الحَدُّ الضيِّقُ لِمَن تُقاتَل

أُبَيِّنُ أنَّ الموصولَ «الذين يُقاتِلونَكم» هو أخطَرُ كلمةٍ في الآية. فالأمرُ لم يَقُل «قاتِلوا الكُفّارَ» ولا «قاتِلوا المُخالِفين»، بل حَدَّدَ الفِئةَ بصيغةِ المُضارعِ من المُفاعَلة: هُم الذين يَقَعُ منهم فِعلُ القِتالِ عليكم في لحظةِ الأمر. فالآيةُ تَرسُمُ دائرةً مُغلَقة: مَن قاتَلَني فهو عَدوّي في هذا الاشتباك، أمّا مَن لم يَقاتِلني فلا يَدخُلُ في الدَّائرة، وإن كانَ على غيرِ مِلّتي. بهذا تُخرِجُ الآيةُ القِتالَ من كَونِه أداةَ هُوِيّةٍ جَماعيّةٍ إلى كَونِه دَوراً مَشروطاً بسُلوكٍ فِعليّ.

«ولا تَعتَدوا»: (ع د و) والانقلابُ من دافِعٍ إلى عادٍ

أُلاحِظُ أنَّ الفعلَ «تَعتَدوا» من جذرِ (ع د و)، ونُواتُه «تَجاوُزُ الحَدِّ إلى ما بعدَه»، ومنه «عَدا الفَرَسُ» جَرى مُتَجاوِزاً، و«العَدُوّ» مَن خَرَجَ من دائرةِ الأمنِ إلى دائرةِ الخَطر، و«أعداه المَرَضُ» انتقَلَ إليه عابِراً الحدّ. فالاعتداءُ ليس كلَّ قتال، بل القتالُ الذي يَتَجاوَزُ الحدَّ الذي رُسِمَ له: أن تَقتُلَ مَن لم يُقاتِلك، أن تَقتُلَ مَن وَضَعَ سِلاحَه، أن تَقتُلَ النساءَ والصِّبيانَ والشُّيوخَ الذين لا يُحارِبون، أن تَمتَدَّ إلى المَزروعاتِ والبُيوتِ والمَعابد. كلُّ هذا خُروجٌ من «قاتِلوا» إلى «اعتَدَيتُم»، وانقلابٌ من دَورِ الدَّافعِ إلى دَورِ البادئ.

«إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعتَدين»: (ح ب ب) كَرَدٍّ إلهيٍّ للدَّور

أَختِمُ بالجُملةِ التَّعليليّة: «إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعتَدين». الحُبُّ من جذرِ (ح ب ب)، ونُواتُه «الالتِصاقُ والمَيل»، ومنه الحَبَّةُ لأنَّها تَلتَصِقُ بالأرضِ فتَنبُت، ومنه القَلبُ الذي تَلتَصِقُ به الأشياءُ. فمعنى «لا يُحِبُّ» ليس عاطفةً إلهيّةً مَحضة، بل نَفيٌ للالتصاقِ الإلهيِّ بهذا الفِعل: لا يَلتَصِقُ به تأييدٌ ولا يَلتَصِقُ به رِضىً ولا يَلتَصِقُ به تَوفيقٌ. بل يَنفَصِلُ الفِعلُ عن النِّسبةِ إلى الله لحظةَ ما يَصيرُ عُدواناً. وهذا هو خَطرُ الآية: المُقاتِلُ قد يَبدَأُ في «سبيلِ الله» وتَنتَهي حَرَكتُه اعتداءً، فيَفقِدُ نِسبةَ العملِ كلِّه إلى صاحبِ السَّبيل.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. ليس «المُجاهِد» لَقَباً يُنسَبُ إلى فئةٍ تَحمِلُ السِّلاحَ، بل دَورٌ دَفعيٌّ مَشروطٌ بِفعلِ طَرفٍ آخَرَ يَقصِدُ قَتلَك. وحين يَنتَقِلُ حامِلُ السِّلاحِ من الدَّفعِ إلى المُبادَأةِ يَتَحَوَّلُ في اللَّحظةِ نفسِها إلى «مُعتَدٍ»، ويَنفَصِلُ عنه وَصفُ «في سبيلِ الله». القتالُ إذاً ليس امتيازاً هُويّاتياً، بل دَورٌ ضيِّقُ الحَدِّ، يَنشَأُ بِفعلِ الآخَرِ ويَنقَضي بانقضائه، ويَضيعُ نَسَبُه إلى اللهِ متى تَجاوَزَ حَدَّه.


حَصيلة

هذه أوَّلُ إذنٍ قُرآنيٍّ صَريحٍ بالقِتال، يُقدَّمُ بينَ قَوسَين مُحكَمَين. صيغةُ المُفاعَلةِ «قاتِلوا» لا الثُّلاثيَّ «اقتُلوا» نُكتةٌ صَرفيّةٌ تُغَيِّرُ الدَّور: الاشتِباكُ يَقَعُ بينَ طَرَفَين يَتَبادَلانِه، فالمُقاتِلُ يَدخُلُ في فِعلٍ قَد شَرَعَه الآخَرُ لا يَبدَأُه مِن فَراغ. والمُحَدِّدُ الثَّاني «في سَبيلِ اللَّهِ»: السَّبيلُ بجَذرِ (س-ب-ل) طَريقٌ واضِحُ المَعالِمِ مَعروفٌ للناس، لا هُتافٌ يُرفَعُ على كُلِّ قِتال؛ فمَعالِمُه دَفعُ ظُلمٍ وحِمايةُ حَقّ، وما خَرَجَ عنها لم يَكُن في السَّبيل. والمُحَدِّدُ الثَّالثُ والأخطَرُ «الَّذين يُقاتِلونَكُم»: لا «الكافِرون»، لا «المُخالِفون»، بل مَن يَقَعُ منهم فِعلُ القِتالِ عليكُم في لَحظةِ الأمر؛ الدَّائرةُ مُغلَقةٌ بحِدودِ السُّلوكِ الفِعليّ. ثُمَّ «ولا تَعتَدوا»: جَذرُ (ع-د-و) تَجاوُزُ الحَدِّ نَفسُه الذي يَنشَأُ منه العَدوّ، وهو ما يَجعَلُ الخَطَّ الفاصِلَ لا يُمكِنُ تَجاهُلُه. وخاتِمةُ «إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعتَدين» بجَذرِ (ح-ب-ب) الالتِصاقِ والتَّأييدِ: المُقاتِلُ قد يَبدَأُ في السَّبيلِ فيَنتَهي خارِجَه مُعتَدِياً، فيَتَساقَطُ عنه التَّأييدُ الإلهيُّ في اللَّحظةِ التي يَتَجاوَزُ فيها حَدَّه.