البقرة · الآية 193

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ

غايةُ القِتالِ: رَفعُ الفِتنةِ، لا إدخالُ الناسِ في مِلّة

أفتَتِحُ بأنَّ «حتى» هنا غائيّةٌ، وغايَتانِ مَوصولتانِ بالواو: «لا تَكونَ فِتنةٌ» و«يَكونَ الدَّينُ لله». والفِتنةُ عِندي بمَعناها الجذريّ: الضَّغطُ الذي يُصهَرُ به الإنسانُ ليَتَخَلّى عن قَناعته. فغايةُ القِتالِ ليست قَهرَ الناسِ على مِلّةٍ، لأنَّ هذا عَينُ الفِتنة، بل رَفعُ الضَّغطِ الذي يَمنَعُهم من تَركِ قناعاتِهم أو تَبنِّي غيرِها بحُرّيّة. والآيةُ لو أُرِيدَ منها فَرضُ مِلّةٍ على الناسِ لنَقَضَت نَفسَها، لأنَّ فِعلَ الفَرضِ فِتنةٌ جَديدةٌ يَنبَغي قِتالُ أصحابِها.

«ويَكونَ الدَّينُ لله»: (د ي ن) والتِزامٌ شَخصيٌّ لا هُوِيّةُ مَملَكة

أُؤكِّدُ أنَّ الدَّينَ من جذرِ (د ي ن)، ونُواتُه «ما يَجِبُ على الإنسانِ من التِزامٍ مُعَلَّقٍ في ذِمّته»، ومنه «الدَّينُ» للمالِ الذي يَجِبُ رَدُّه، و«المَدينُ» للمُلتَزِمِ بأداء، و«يَومُ الدَّين» لأنَّه اليَومُ الذي تُرَدُّ فيه كلُّ الذِّمَمِ إلى أصحابها. فالدَّينُ هو ما يَجِبُ عليكَ لا ما يَجمَعُكَ بغيرك. ولهذا قالَ القرآنُ «ويَكونَ الدَّينُ لله»، أي يَعودَ هذا الالتِزامُ إلى مَن له الحَقُّ الأصليُّ فيه لا إلى مَن قَهَرَكَ بالفِتنةِ فوَضَعَ نَفسَه في مَوضِعِ الآمِر. فالآيةُ لا تقولُ «يَكونَ الإسلامُ للعالَم»، بل تقولُ «يَرجِعَ الالتِزامُ الشَّخصيُّ لكلِّ إنسانٍ بينَه وبين ربِّه، بعدَ أن كان مَحمولاً قَهراً على يَدِ طاغ».

«فإن انتَهَوا»: تَكرارُ الشَّرطِ لا تَأكيدٌ لفظيّ

أُلاحِظُ أنَّ الشَّرطَ «فإن انتَهَوا» يَتَكَرَّرُ هنا بعدَ وُرودِه في الآيةِ السابقة. وهذا التَّكرارُ ليس بلاغةً مُجَرَّدة، بل تَأسيسٌ لقاعدة: طالما القِتالُ قائم، فالشَّرطُ مُتَجَدِّدٌ في كلِّ لحظة. متى كَفَّ المُعتَدي عن الفِتنةِ سَقَطَ المُبَرِّرُ، ولا تَستَحيلُ «حتى» إلى نِهايةٍ مَفتوحةٍ بلا شَرط. فالقرآنُ يُغلِقُ بابَ استِخدامِ هذه الآيةِ ذَريعةً لتَمديدِ القِتالِ إلى ما لا نِهاية.

«فلا عُدوانَ إلّا على الظالِمين»: (ظ ل م) و(ع د و) وقَصرُ الاستِثناء

أَختِمُ بأنَّ «الظالِمين» من جذرِ (ظ ل م)، ونُواتُه «الظُّلمةُ» أي غِيابُ النور، ثمَّ اتَّسَعَت لتَشمَلَ «وَضعَ الشيءِ في غيرِ موضِعه» لأنَّ مَن لم يَرَ في الظُّلمةِ وَضَعَ الأشياءَ في غيرِ أماكنها. فالظالِمُ في هذه الآيةِ هو الذي لم يَرتَدِعْ، فأبقى المُعتَدى عليه في ظُلمةٍ قَسريّة، وواصَلَ الفِتنة. والجُملةُ تَبني قَصراً دَقيقاً: كَلِمةُ «عُدوان» لا تُطلَقُ إلّا عليه، فالرَّدُّ عليه ليس عُدواناً ولا اعتِداءً، بل استِمرارٌ في دَورِ الدَّفعِ المَشروع. والأهَمُّ أنَّ الآيةَ تَنفي العُدوانَ عن بَقيّةِ الناس، حتى إن كانوا على غيرِ مِلّةٍ، طالما أنَّهم كَفُّوا عن الفِتنة. فالعِلّةُ هي الفِعلُ لا الانتِماء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «الدَّين» في هذه الآيةِ ليس اسمَ مِلّةٍ يَسعى القِتالُ إلى تَعميمها، بل التِزامُ الإنسانِ الشَّخصيُّ في ذِمّته، يُرادُ له أن يَرجِعَ إلى صاحِبه الأوَّلِ بعد أن انتَزَعه طاغٍ يَفتِنُ الناس. وغايةُ القِتالِ إذاً رَفعُ الإكراهِ، لا فَرضُ إكراهٍ بديلٍ من جِنسه. ومتى وَقَفَ البادئُ عن فِتنته، انقَضَت الغايةُ، وصارَ كلُّ امتِدادٍ للسَّيفِ عُدواناً يُسَمّى باسمه. فالعُدوانُ كلمةٌ مَحجوزةٌ لمَن لم يَرتَدِع، أمّا المُنتَهي فخارجٌ من دائرةِ الاشتِباكِ كُلِّها، وإن بَقِيَ على اختلافٍ في قناعته.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ غايةَ القِتالِ بدِقَّةٍ مُزدَوَجة: «حتّى لا تَكونَ فِتنةٌ ويَكونَ الدِّينُ لله». الفِتنةُ بجَذرِ (ف-ت-ن) إدخالُ المَعدِنِ في النَّارِ ليُمتَحَنَ: الضَّغطُ الذي يُفرَضُ على الإنسانِ ليَتَخَلَّى عن قَناعَتِه. والغايةُ ليسَت فَرضَ مِلَّةٍ بل رَفعَ هذا الضَّغط، لِأنَّ فَرضَ مِلَّةٍ بالقَهرِ هو بعَينِه فِتنةٌ مِن جِنسِها. ثُمَّ الجُزءُ الثَّاني: الدِّينُ بجَذرِ (د-ي-ن) التِزامُ الذِّمَّةِ الشَّخصيِّ، كالدَّيْنِ الماليِّ الذي يَجِبُ رَدُّه لِصاحِبِه. «يَكونَ الدِّينُ لله» يَعني رُجوعَ هذا الالتِزامِ إلى صاحِبِه الأصليِّ بعدَ أن انتَزَعَه طاغٍ وجَعَلَه التِزاماً له. ثُمَّ يَتَكَرَّرُ الشَّرطُ «فإن انتَهَوا» ليَقطَعَ باب استِخدامِ الآيةِ ذَريعةً لتَمديدِ القِتال: طالما يَكُفُّون تَنقَضي الغاية. وخاتِمةُ «فلا عُدوانَ إلّا على الظَّالِمين» تَقصُرُ مُواصَلةَ الفِعلِ على مَن بَقِيَ مُتَجاوِزاً؛ الظَّالِمُ بجَذرِ (ظ-ل-م) الظُّلمةُ ثُمَّ وَضعُ الشَّيءِ في غيرِ مَوضِعه، وهو مَن يُواصِلُ وَضعَ نَفسِه فَوقَ ضَميرِ الآخَر. مَن انتَهى خَرَجَ مِن دائرةِ الاشتِباكِ كُلِّها وإن بَقِيَ على اختِلافٍ في قَناعَتِه.