الغاشية · الآية 13
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فيها»: ظرفٌ يَصِلُ المَشهَدَ بِما قَبلَه
«فيها» تَعودُ على مَوضِعٍ سَبَقَ ذِكرُه: المُستَقَرُّ الذي تَنزِلُ فيه الوُجوهُ الناعِمةُ الراضِيَة. والضَّميرُ هنا لا يُنشِئُ مكاناً جَديداً، بل يُدخِلُنا فيه ويَجعَلُنا داخِلَه نَنظُرُ مِن جَوفِه لا مِن خارِجِه. كأنَّ السامِعَ قد عَبَرَ العَتَبةَ فصارَ يَرى ما في الداخِل.
وهذا الظَّرفُ يُمَهِّدُ لِتَعدادِ ما في المَوضِعِ: أوَّلُ ما يُذكَرُ هو المَقعَدُ، أي حالُ الاستِقرارِ والمُكثِ، قَبلَ أيِّ شَيءٍ آخَر. فالمَشهَدُ يَبدَأُ مِن حَيثُ يَستَقِرُّ الجالِسُ، لا مِن حَيثُ يَتَحَرَّكُ السائِر.
«سُرُرٌ»: مَجالِسُ راحةٍ مَبسوطة
الجِذرُ س-ر-ر يَدورُ على ما يَنبَسِطُ ويَتَّصِلُ في خَفاءٍ ولِينٍ فيَنشَرِحُ له الصَّدر. والسَّريرُ مِنه: مَوضِعٌ مَمدودٌ يَنبَسِطُ عليه الجالِسُ فيَستَريحُ ويَطمَئِنّ. والجَمعُ «سُرُر» يَنشُرُ المَشهَدَ: ليسَ مَقعَداً واحِداً بل مَجالِسُ مُتَعَدِّدةٌ مَبسوطةٌ في المَوضِع.
والسَّريرُ في هذا الأصلِ مَوضِعُ انبِساطٍ لا مَوضِعُ كَدّ: مَن جَلَسَ عليه أَرسَلَ ثِقلَه فاستَراحَ. ولِهذا اقتَرَنَ السَّريرُ بِالسُّرورِ في الجِذرِ نَفسِه: انبِساطُ البَدَنِ على المَجلِسِ يُوازِيه انشِراحُ النَّفسِ مِن داخِلِها.
«مَرْفُوعةٌ»: عُلُوٌّ يُخرِجُ مِن مُلامَسةِ الأرض
الجِذرُ ر-ف-ع يَدورُ على إعلاءِ الشَّيءِ ونَقلِه مِن أسفَلَ إلى أعلى حتى يَنفُذَ ويَظهَر. و«مَرفوعةٌ» وَصفٌ لِلسُّرُر: مُعلاةٌ عن الأرضِ لا لاصِقةٌ بِها. والرَّفعُ هنا يَجمَعُ مَعنَيَين: عُلُوّاً في الحِسِّ، فالمَجلِسُ مُرتَفِعٌ يُجلَسُ عليه فَوقَ المُستَوى، وعُلُوّاً في القَدرِ، فالمَرفوعُ ما رُفِعَت مَنزِلَتُه فلا يُوطَأ.
ورَفعُ المَجلِسِ يُتِمُّ صورةَ الراحةِ التي بَدَأَت بِالسَّرير: الجالِسُ مَبسوطٌ على مَوضِعٍ لَيِّن، مُعلىً عن مُلامَسةِ التُّرابِ والغُبار. فالعُلُوُّ ليسَ زينةً مُضافةً بل تَتميمٌ لِلطُّمأنينة: مَن رُفِعَ مَجلِسُه فقد بَعُدَ عن مَواطِئِ الأقدامِ ومَجارِي ما يَنخَفِض.
حَصيلة
تَنقُلُنا «فيها» إلى داخِلِ المُستَقَرِّ المَذكورِ قَبلُ، فنَنظُرُ مِن جَوفِه. وأوَّلُ ما يُعَدُّ فيه «سُرُرٌ» (س-ر-ر): مَجالِسُ مَبسوطةٌ يَنبَسِطُ عليها الجالِسُ فيَطمَئِنّ، والجَمعُ يَنشُرُها في المَوضِع. ثُمَّ «مَرفوعةٌ» (ر-ف-ع): مُعلاةٌ عن الأرضِ، عُلُوّاً في الحِسِّ يَرفَعُ الجالِسَ فَوقَ المُستَوى، وعُلُوّاً في القَدرِ يَرفَعُ المَنزِلةَ فلا تُوطَأ. فالآيةُ تُقيمُ صورةَ راحةٍ تامّة: انبِساطٌ لَيِّنٌ مَرفوعٌ عن مُلامَسةِ التُّرابِ، يُقابِلُ في السورةِ حالَ الوُجوهِ العامِلةِ الناصِبةِ التي تُساقُ إلى ما يَنخَفِضُ ويَشتَدّ.